‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوميات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 29 يناير 2010

رحلة بعد الأمطار 2

أنا من هواة الطبيعة وعشاقها. أحب التجوال في الجبال ..الوديان ..الصحاري ، ونتيجة لهذا العشق جُبتُ مناطق كثيرة في السلطنة من أقصى شمالها إلى أقصى الجنوب ومن شرقها إلى غربها. عشقت طبيعتها.. أشجارها.. نباتاتها.. وتنوعها.. وبالتأكيد ناسها. وفي محافظة ظفار التي أقيم فيها، جبت كل ولاياتها ومناطقها ما عدا جزر الحلانيات ربما لخوفي من البحر.

منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى الآن حصلت تطورات وتغييرات كثيرة على البيئة المحيطة بي شخصياً وبالتأكيد الجميع يحس بمدى التغيرات التي طرأت على البيئة المحيطة بنا. هذه التغييرات نتجت بسبب متطلبات الحياة الجديدة التي بدأت منذ بزوغ النهضة في يوليو 1970م. زيادة الدخل و عدد السكان الذي تطلب شق الطرق وبناء المدن والمصانع والشوارع وزيادة عدد السيارات وعمليات التنقيب كل ذلك أثر بشكل مباشر على البيئات حولنا. كنا معذورين في البداية بسبب قلة التعليم وقلة الوعي وضرورة التغيير، كنا معذورين عندما تعدينا على البيئة بسبب جهلنا، أما الآن وقد زاد الوعي وأصبحت شريحة كبيرة من الشباب هم أصحاب القرار، فنحن غير معذورين وحكومتنا غير معذورة إذا أخطأت تجاه البيئة.

هذه المقدمة تمهيد لما وعدت به في التدوينة الماضية عن وصف ما رأيت في وادي صيق وهو وصف لحالة يمكن أن تنطبق على الكثير من مثيلاتها في مناطق مختلفة من المحافظة وحتى في عموم مناطق السلطنة الأخرى. فكنت قد وعدت بذكر الأهوال التي رأيتها في ذلك الوادي. بطبيعة الحال ليست هناك أهوال تعرضت لها بالمعنى الحرفي للأهوال وإنما أهوال تعرّضَتْ لها بيئة الوادي. فهناك طريق جديد يتم الآن شقه من "أرجوت" عبر وادي صيق إلى صرفيت. هذا الطريق يتم الآن شقه في منطقة محاذية للطريق الحالي ونتيجةً لذلك تمت إزالة الكثير من الأشجار بشكل قاسٍ جداً ولا أدري على أي أساس تم إعطاء الشركة ترخيص لشق الطريق بهذه الطريقة التي أراها بشعة جداً دون شروط. فالأشجار يتم اقتلاعها شأنها شأن الأتربة والحجارة دون أن يستفاد منها بإعادة غرسها في مكان آخر ودون أن يستفيد منها أحد كأصحاب المشاتل وحتى المواطنين العاديين. كما أنه كان بالإمكان إلزام الشركة المنفذة للمشروع بإزالة الأشجار بطريقة مختلفة بحيث يمكنها غرسها في مكان آخر وفي البيئة نفسها القريبة من مكان اقتلاعها وبإشراف جهات حكومية أخرى كوزارة الزراعة أو الديوان. إعادة الغرس ستكون ذات فائدة من ناحيتين؛ الأولى هي المحافظة على الأشجار نفسها والثانية تقليل انجراف التربة الناتج عن الأمطار الفجائية كالتي حدثت يوم 20 يناير الجاري.

رغم أن المنطقة تمر بفترة جفاف قاسية والأشجار بدأت في مناطق كثيرة بالجفاف والتصحر إلا أن المشاريع الخدمية(ومنها هذا المشروع) التي تقام بين الحين والآخر لم يتم فيها مراعاة لمشكلة البيئة بل بالعكس يتم التعامل مع البيئة وكأننا في منطقة غابات استوائية ماطرة.

لا أنكر مدى الحاجة لتحسين هذا الطريق لأنه خطر جداً في حالة الأمطار ولا توجد به أي حماية من التربة والصخور التي تنزلق وقت الأمطار. ولكن يجب أن لا يدفعنا ذلك للانتقام من البيئة بهذه الطريقة. . إن ما يجري الآن أعتبره كارثة بيئية ولا يمكن أن أضيف أكثر من أنه كارثة. ومع كل هذا لا يزال المشروع في بدايته.

عندما وصلت إلى تقاطع الطريق مع الوادي في أسفله وجدت عين ماء (أعتقد أن اسمها "عين آغسي" أو المغسيل) تجري نتيجة لنزول الوادي. بطبيعة الحال كان منظر الماء وهو يناسب بين الأشجار والصخور يبعث البهجة والراحة النفسية للمارة ومرتادي الوادي من الأسر التي فضلت تناول الغداء بالقرب من مصدر الماء وتحت الأشجار وإن كانت السماء لا تزال ملبدة بالغيوم. لكنني أخشى على هذه العين من المشروع الجاري تنفيذه.

واصلت المسير باتجاه حفوف حيث بدأت في صعود ضفة الوادي الأخرى وعيني لا تزال تنظر بين الحين والآخر إلى الأشجار التي تنتظر دورها في الاقتلاع خاصة وأن هذه الضفة التي لم يصلها الدور بعد هي الأكثف من ناحية الغطاء الشجري. وصلت إلى حفوف التي تشرف على إحدى أجمل الغابات في جبل القمر والتي تمتد(الغابة) من خضرفي إلى مدينة ضلكوت. يوجد في حفوف تجمع سكاني بسيط مع مدرسة تخدم حفوف والقرى المجاورة، كما توجد بها دكاكين بسيطة للمواد الغذائية. لم أتوقف في حفوف بل واصلت الصعود باتجاه حموت التي تقابل معسكر صرفيت من الجهة الشرقية. كلما تقدمت باتجاه حموت كلما قل الغطاء النباتي وصغرت الأشجار نظراً لضعف الخريف في هذه المنطقة وربما نظراً للطبيعة الصخرية للمنطقة نفسها. ولكن حتى هذه المنطقة المهددة بالتصحر لم تسلم من اللامبالاة من ناحية تأثير المشاريع الخدمية على بيئتها وغطائها النباتي. ففي الوقت الراهن يتم شق خط لأنابيب المياه من حفوف إلى حموت بمحاذاة الطريق ولكن المساحة التي تم إزالة الغطاء النباتي منها تكفي لمرور شاحنة كبيرة أي أنه أصبح هناك شارع موازي للشارع الحالي!!.

نزلت من حموت باتجاه ديم وفي الطريق لم اتفاجأ بإزالة الشركة نفسها لأعداد هائلة من أشجار بأحجام أكبر من أحجام أشجار وادي صيق. لا يزال منظر جذوع الأشجار المزالة والمجمعة على جانب الطريق لا يزال ذلك المنظر ماثلاً أمام عيني. رجعت من ديم باتجاه ضلكوت عن طريق خضرفي وقد كان منظر الغابة ساحراً خاصة أشجار الصبار(تمرهندي) الطويلة المتناثرة على جانبي الطريق. وصلت مدينة ضلكوت واتجهت مباشرة للمطعم الذي يقدم وجباتنا المعتادة(برياني قبولي كبسة مندي..). أخذت قبولي بالسمك لأن سمك ضلكوت دائماً طازج (خاصة الكنعد ومحد يسألني ليش اخترت الكنعد؟)ورجعت باتجاه شجرة جميلة تقع إلى الشرق من المدينة في مكان مطل على بحر العرب. هذه الشجرة تسمى الباوباب وبالجبالية تسمى "هيروم ذيري" أي الشجرة الغريبة. هذه الشجرة لا توجد لها شجرة مثيلة في جبل القمر على ما أعتقد وهي شجرة ذات جذع عريض جداً. يوجد نفس النوع من الأشجار في الشرق في ولاية مرباط وتحديداً في وادي حشير. الوادي الذي تعرض لجريمة نكراء من قبل الشركات التي تناوبت على رصفه. الغريب أن نفس الشركة التي تشق طريق صيق هي نفس الشركة التي تقوم الآن برصف طريق حشير الذي يربط بين مدينة مرباط وطوي أعتير. وقد عاثت هذه الشركة في الأشجار والتربة فساداً لا مثيل له شأنها شأن من سبقها من الشركات لنفس المشروع. المهم أنني تغديت في إحدى الاستراحات القبيحة التي أنشأتها وزارة السياحة بجنب الشجرة الغريبة.

بعد الغداء الذي تناولته بلا نفس رجعت أدراجي في نفس الطريق لأكتئب في نفس اليوم مرتين... كنت قد أتيت لأستمتع بالأمطار فرجعتُ باكتئاب محترم.

النهاية


الاثنين، 25 يناير 2010

رحلة بعد الأمطار 1

انطلقتُ - أنا الموقع بين قوسين( محفيف )- صباح يوم الخميس الماضي في رحلة تفقدية تعقّبتُ خلالها آثار الأمطار التي هطلت يوم الأربعاء الماضي الموافق 20 يناير. كانت الأمطار على معظم مدينة صلالة وعلى المناطق غربها(ريسوت – المغسيل - رخيوت – ضلكوت). بعدما جهزت أم محفيف حفظها الله الشاهي الصباحي خذيت كوب حجم عائلي وحطيته في مقدمة السيارة وانطلقت 8 ص باتجاه الغرب. عبيت بترول من محطة المغسيل وتزودت بكرتون ماي معدني لزوم الشاهي وبعض ما قل وزنه وغلا ثمنه من البسكويت والكاكاو واتجهت لطريق الأفعي ( snake road)، وهو طريق عقبة المغسيل الذي يقطع وادي "عفول" إلى نصفين غير متساويين!!. ذلك الوادي الذي نزل( سال) من جراء أمطار الأربعاء. لقد تسبب نزول وادي عفول في قطع الطريق من و إلى ولايتي رخيوت وضلكوت. هذا الطريق البديع الذي تم شقه في منطقة مستحيلة في ثمانينيات القرن الماضي بقي فيه عيب كبير جداً، ألا وهو عدم وجود جسر لتصريف مياه السيول في قاع الوادي لكي يتفادى العابرون السيول الجارفة. ففي حالة هطول الأمطار أمامك خياران؛ أن تنتظر على إحدى الضفتين حتى يتوقف السيل ثم تأتي وزارة الدفاع أو أي جهة أخرى لكي تقوم بفتح الطريق وإزالة الحجارة والأتربة المتراكمة وسط الطريق جراء السيول وبعدها يمكنك العبور. والخيار الآخر أن ترجع أدراجك وتسلك طريق ثمريت - عيدم أو عيدم - ثمريت ، حسب وجهتك. أتوقع أن التكاليف التي تتكبدها الحكومة سنوياً (في حالة نزول الوادي سنوياً) منذ أن تم افتتاح هذا الطريق إلى الآن يعادل أضعاف قيمة جسر بطول 50 متراً على الأكثر(تقدير غير علمي). عموما وجدت الطريق سالك كما وجدت بلدوزر(نسميه شيول أو غرافة) يعمل في إزاحة الحجارة والاتربة القريبة من الطريق. واصلت صعود الطريق المتعرج وكانت المناظر التي تظهر بين الحين والآخر مليئة بالجمال وتخلب اللب - كما قال عبدالله بلخير- خاصة وأن صفاء الجو بعد الأمطار يكون في أفضل حالاته. انتهيت من تعرجات الطريق الرئيسية وخرجت من بطن الطريق المتعرج لأري الدنيا كما هي من جديد عندما أطللت على منطقة "جحد" وهي المنطقة التي تبدأ فور خروجك من الطريق المتعرج في مرحلته الأولى والصعبة إلى المنطقة المستوية ذات موقف بسيط للسيارات على اليسار تفصله 300 متر تقريبا عن مفرق طريق الفزايح. تبدأ منطقة جحد من هناك ولا أدري أين تنتهي. على كل حال واستمتعت واجد عندما التفتت يساراً استمتعت بمنظر الرمال الفضية لشاطئ الفزايح قبل أن أختفي في تعرجات أخرى وأصل إلى نقطة تفتيش عسكرية في أعلى العقبة. بعد تأكد النقطة! من كلٍ من بطاقة محفيف وملكية سيارته كمل المذكور الطريق باتجاه صرفيت.

في طريقي إلى صرفيت التابعة لولاية ضلكوت والمحاذية للحدود اليمنية العمانية مررت بـتجمعات سكانية تحمل أسماء مثل (أجدروت - عرفت - شهب أصعيب – إرديت – جديرت- مقورح – أرجوت أشخريت- حفوف- حموت- خضرفي- ديم) وهي أسماء بالجبالية قد تبدو لغير العارف صعبة وغير ذات معنى، لكنها على عكس ذلك فهي ذات معنى وسهلة للمتحدثين بالجبالية (وأنا منهم طبعاً..احم احم). بعد المرور بمعظم هذه التجمعات والقرى الصغيرة المتناثرة على جانبي الطريق وصلت نقطة تفتيش عسكرية ثانية في منطقة "أرجوت أشخريت"(من البديهيات أن تكون بطاقات التعريف وملكية السيارة ورخصة القيادة بمعية أي سائق وحتى الراكب يجب أن يصطحب بطاقته الثبوتية). بعد النقطة مباشرةً اتجهت يسارا ناحية وادي المغسيل(ويطلق عليه أيضاً وادي صيق ) في ولاية ضلكوت.

وادي صيق هو الوادي الذي يصب في بحر العرب في خيصة خيرفوت الجميلة بشاطئها الفضي الساحر والتي يحفها الجبل من ثلالث جهات تقريبا. سهل هذه الخيصة تقدسه طائفة من المسيحيين تسمى المورمون بسبب اعتقادهم أنها الموضع الذي انتهت إليه -في القرن السادس قبل الميلاد- رحلة طائفتهم(طائفة من بني اسرائيل) من القدس إلى ساحل جنوب الجزيرة العربية، حيث بنو سفينة وركبوا فيها إلى القارة الأمريكية بقيادة نبيهم نيفاي Nephi وكان أمر بناء السفينة بتعليمات إلهية حسبما يزعمون(الرحلة تسمى رحلة ليهي Lehi وهو والد نيفاي). لا يبعد الوادي كثيراً عن النقطة العسكرية.

سأصف ما رأيت في الوادي من أهوال في التدوينة أوالبوست القادم... إلى اللقاء

للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com