السبت، 25 أغسطس، 2012

صلالة محتاجة دور ثاني

انتهت الإجازة ..كانت طويلة جداً(2+5+2=9 أيام).. تعودنا على الإجازات الطويلة. كانت أيضاً طويلة على سكان صلالة وسكان بعض المناطق في الجبل كالسكان في نيابتي غدو وطيطام(طريق إتين) والسكان المنتفعين من طريق دربات. ولا ننسى أنها كانت قصيرة على المنتفعين من السياح بشكل مباشر.
باختصار كان الأسبوع الفائت كابوس على سكان مدينة صلالة وفي نفس الوقت نعيم لمن يشتغل بالتجارة؛ المطاعم والمتاجر والشقق الفندقية والغير فندقية وحتى الباعة المتجولين وبائعي بطاقات الشحن. هناك مبالغ طائلة دخلت من منفذ حريط طوال الأسبوع الماضي ولم تخرج منه.
********

ربما لا يخفى على أحد الضجة التي أحدثتها الموجة العارمة من السياح الذين استغلوا إجازة عيد الفطر للذهاب إلى ظفار والاستمتاع بالأجواء الإستثنائة كما نردد دائما. تلك الموجة التي تذكرنا بقصة قوم يأجوج ومأجوج الذين تمر بدايتهم على بحيرة طبرية(كما تقول الروايات) وعندما يصل آخرهم لا يجد فيها قطرة ماء من كثرتهم. الضجة معلومة لمعظم العمانيين وخاصة "الفيسبوكيون" الذين لا تمر شاردة أو واردة إلا وعرفوا عنها.
عندما تدفق السياح على خط مسقط صلالة والإمارات صلالة لم تتنبأ محطات الوقود والقائمين عليها بأن الوضع سيكون بالسوء الذي حصل. نفدت كمية البنزين من المحطات في غضون ساعات وكثرت القصص والروايات عن المآسي التي واجهت السياح الذي انقطعت بهم السبل وكيف أنهم كانوا يدفون سياراتهم لمسافات وما إلى ذلك من أخبار.
عندما أدركت بعض المحطات المشكلة بدأت في تقنين عدد الليترات المخصصة لكل مركبة بحيث لا يتجاوز العشرين ليترا للواحدة وكانت خطوة جيدة، كما أن بعض المواطنين اضطروا لإنقاذ ذويهم بشراء كميات من البنزين ونقلها إلى مكان تواجد ذويهم العالقين في وسط الصحراء.
ما يهمني قوله هنا ليس المشكلة نفسها وإنما ما كشفته هذه المشكلة من مشاكل لابد من مواجهتها بطريقة جادة وواسعة بعيداً عن الترقيع الغير مجدي على المدى الطويل. لقد سلطت هذه المشكلة الضوء على مجموعة من القضايا ألخصها في التالي:
  • لا توجد استراتيجية متكاملة للسياحة في عمان أي أن هناك اجتهادات أفراد غير متخصصين ولم يستعينوا بمتخصصين من أجل وضع خطة لعمل متكامل يتم فيه التركيز على البنية التحتية قبل الدعاية والإعلان. ما يجري الآن ستكون له آثار عكسية على السياحة في ظفار بشكل خاص وعمان بشكل عام. لا يكفي أن يكون عندك "خريف" لتطلب من السائح أن يأتي من أجل أن يعاني الأمرين من عدم وجود خدمات وعدم وجود مأوى.
  • قلة الخدمات بشكل عام على خط مسقط صلالة وهذا ناتج عن غياب الاستراتيجية المتكاملة. هناك شح في الفنادق والمطاعم ودورات المياه ومحطات والقود وخدمات الهاتف الخلوي والمنشآت الصحية ومراكز الشرطة وغيرها.
  • قلة محطات الوقود وهذا الأمر أيضاً مرتبط بغياب الاستراتيجية. قلة محطات الوقود تؤدي إلى كثرة الحوادث بسبب طولة المسافة بين أقرب محطتين. في حالة تعطل إحدى المحطات فإن إمكانية تكرار ما حصل واردة جداً، أي أن مشكلة نفاد كمية الوقود من المركبات أمر قد يتكرر في أي وقت بسبب قلة محطات الوقود على طول الطريق.
  • لم ندرك بعد أن صلالة عبارة عن قرية صغيرة. الجهات الحكومية القائمة على التخطيط تتعامل مع صلالة على أنها مدينة كبيرة بينما لم تستطع هذه المدينة بلع 5000 سيارة إضافية. سبب تدفق السيارات إلى صلالة اختناقات مرورية قاتلة ولم نرَ أي حل مؤقت سوى تواجد الشرطة بشكل شبه دائم في الدوارات المكتظة بالسيارات.
  • لابد من خلق مناطق استقطاب جديدة خارج صلالة، فالشوارع الحالية لن تكفي سكان صلالة وحدهم بعد خمس سنوات من الآن فما بالنا إذا زاد عدد السياح وبقت المدينة كما هي والشوارع كما هي وبقت مناطق الاستقطاب نفسها. بما أن طاقة قريبة جدا من صلالة فإن البدء في تأهيلها لاستقبال السياح أصبح أمرا لابد منه. هذا التأهيل لابد أن يكون في البنية التحتية وأن تراعى فيه الأخطاء التي ارتكبتها الجهات المعنية بتطوير المدن في مسقط وصلالة. لابد أيضا من تأهيل المخططات السكنية التي صرفتها وزارة الإسكان في عدونب وطاقة ومرباط للمواطنين. هذا التأهيل في البنية التحتية سيؤدي إلى خلق مناطق استقطاب جديدة تخفف الضغط عن صلالة.
  • السماح ببناء عمارات في مناطق سكنية أو تجارية بدون وجود "مواقف كافية" عبارة عن كارثة على السكان وعلى السياح وعلى المتاجر. نلاحظ أن التدفق السياحي على صلالة في السنوات الماضية ضغط على الجهات الحكومية من أجل السماح ببناء أدوار إضافية في صلالة بشكل عام وهذا الأمر هو السبب الرئيسي لأزمة المرور التي تعانيها صلالة في هذا الموسم كما أن أزمة المواقف بدأت تتفاقم بسبب العمارات. الحلول "الترقيعية" دائما تخلق أزمات ونحن في عمان لدينا أكبر منهجية ترقيعية لحل الأزمات في المنطقة ولا فخر.
  • حق المواطن والمقيم في الوصول إلى مكان سكناه أصبح مهدور. هناك من لايجد مواقف أمام بيته وهناك من لا يستطيع الوصول إلى المستشفى إلا بعد ساعات وهناك من لا يستطيع جلب نواقص واحتياجات بيته في حالة نفاد أي شئ إلا بعد وقت طويل. أين حق المواطن العادي والمقيم هنا؟ هل عليه أن يعاني فقط بسبب أخطاء تخطيطية؟
  • هناك مزارع ومنشآت حكومية عسكرية ومدنية  تحول دون حل مشكلة المرور في صلالة(شارع الرباط وشارع السلطان قابوس).لا توجد مخارج على الجانب الشمالي لشارع الرباط بينما توجد مجموعة دوارات على طول الطريق الأمر الذي يفاقم أزمة الاختناقات المرورية.


خلاصة القول أن السياحة أصبحت واقع لابد من التعامل معه بجدية بعيدا عن الترقيع والإرتجالية. لانزال في بداية الطريق وبالإمكان الاستفادة من أخطائنا إلى الآن لكن ليس بالطريقة القديمة. لا ينفع أن نصر على أن  مدينة صلالة هي المكان الوحيد للسياح والمكان الوحيد الذي تتوافر فيه الفنادق والمكان الوحيد الذي تتوافر فيه العمارات وخدمات السياح. في حالة هذا الإصرار يجب أن نبني الدور الثاني لصلالة بأكملها وننتظر المشكلة بعد كذا سنة لنبني دور ثالث ورابع وهكذا!!!!.







همسة نزارية : كلماتي تلهث كالخيول على مرتفعاتك.. ومفرداتي لا تكفي لاجتياز مسافاتك الضوئية.

الخميس، 9 أغسطس، 2012

لا للتفصيل



عندما تشغل الماسحة الضوئية الخاصة بدماغك على المنطقة العربية تجد أن المشاكل تتكرر هنا وهناك بجوهر واحد ونسب متفاوتة. هناك شعور طاغي بالظلم  وتذمر مستمرلدى المواطنين من حكوماتهم وهناك أخطاء حكومية متكررة تغذي التذمر وتوصله إلى ذروته. نتيجة لسوء الأحوال وكثرة البطالة حاولت الشعوب العربية أن تغير الوضع في كل من تونس، مصر، ليبيا وجزئيا في اليمن ولا تزال في سوريا. ركزت المحاولات فقط على تغيير رموز الأنظمة ظناً منها أنها أي الأنظمة السبب الوحيد فيما آلت إليه تلك البلدان من تخلف وفقر وجهل وسوء استغلال للموارد وسوء إدارة لتلك الموارد. في نهاية المطاف خرجت الرموز من المشهد وظلت الشعوب تعاني من نفس المشاكل. القيادات الجديدة بدأت تستخدم نفس أدوات القيادات التي خلعتها. نسيت الناس أسباب ثوراتها وبدأت تتجيش ضد بعضها البعض بعد أن نجح السياسيون في توجيه الرأي العام إلى الصراع بين نتاج الثورة وفلول الأنظمة السابقة. أرجعت القيادات الجديدة الفشل إلى وجود عدو "قوي" وهو ما يعرف بالدولة العميقة التي تجذرت في كل مفاصل الدولة والتي يصعب القضاء عليها. هذا هو أروع منتج عربي منذ الاستقلال من الاستعمار الغربي في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. لابد من البحث عن عدو خارجي أو داخلي من أجل السيطرة على الشعب وممارسة أنواع معينة من التسلط.
كنا نسمع عن المستعمر وكيف أنه سيئ وظالم وسفاح وسارق. كنا نسمع عن نهبه لثروات الشعوب ولكن في نفس الوقت كنا نعلم(في فترة متأخرة فقط) أن ذلك ما كان إلا محاولة من أنظمتنا العربية لتبريرالاستحواذ على الموارد الوطنية وتسخيرها لأغراض خاصة بالنظام ومرتزقته فقط. 
معظم الأنظمة العربية بدأت وطنية أو قومية أو ثورية  منطلقة إلى حد كبير من رؤى الشعوب وأهدافها ولكنها عندما استقرت في الحكم نزهت نفسها عن الأخطاء وبررت كل تصرف خاطئ بل وصلت إلى مرحلة من تأليه ذاتها ورموزها وتعاملت مع الشعوب كعالة وحمل ثقيل على كاهلها.
كانت قضية فلسطين ووجود إسرائيل أيضاً من أقوى أسباب تسلط بعض الأنظمة على شعوبها حتى أن الكثيرمن العرب يعلمون أن ما يجري في سوريا الآن مؤامرة ولكنهم في نفس الوقت يرون أن النظام السوري كان نظاماً مذلاً لشعبه بحيث يبررون للسوريين التعاون مع إبليس للتخلص منه.
بما أن تلك القيادات والأنظمة بدأت وطنية وظلت تتغنى بالوطنية طوال حياتها فإنني أظن أنها وطنية بالفعل ولكن بمستوى فهمها وعلى قدر تكلس تفكيرها. كانت لديها على الأرض مبررات قوية لأن تقنع شعوبها بوطنيتها ومن أهم تلك المبررات وجود المستعمر والجهل والفقر وحتى المرض. بدأت بشعارات رنانة؛ كانت لديها أماني وطموحات ولكنها لم تبحث عن آليات لتحقيق الطموح. ظلت غارقة في أوهام الخطر الأمني والمؤامرات وانشغلت بمراقبة مواطنيها بدلاً من تعليمهم والنهوض بهم لاستغلال موارد بلادهم وانتشالها من براثن التخلف والجهل. أوجدت عدو وهمي هو العدو الإستعماري وعزفت على سيمفونية فلسطين وإسرائيل. هربت أو تهربت من مشاكلها الحقيقية وبدأت في الكذب على شعوبها. توقفت عن التطوير وتهيئة الشعوب للمشاركة والخلق والإبداع وتعاملت مع الشعوب كقطيع بدعوى أنها أي الشعوب قاصرة ولم تنضج بعد وأن الوصاية عليها واجبة إلى يوم الدين. كانوا يرون أن دواعي الوطنية هي التي تبقيهم في مناصبهم وهذا مؤشر على أنهم يرون أن الشعوب مشكوك في وطنيتها ولا يمكن إلا الدوس على رقابها بالأحذية الأمنية. إذن بدأت القيادات من منطلقات وطنية تدعوا إلى الحرية والمساواة واحترام الانسان وصون موارد الوطن وانتهت إلى التسلط والقمع والنهب المنظم. كان استقبالها في مواقع القيادة بالورود والأهازيج(خاصة تلك التي طردت المستعمر) بينما ودعتها شعوبها بعد عدة عقود بالحديد والنار .
الآن تحررت بعض الشعوب وأنتجت قيادات جديدة بدأنا نسمع منها أي القيادات ما كنا نسمع من سابقاتها وكذلك بدأنا نرى منها ما كانت سابقاتها تفعل. تُرى أين المشكلة؟!!
الإجابة قد تكون مؤلمة جداً لأننا لم ندرك بعد أن ما كان موجوداً لم يكن إلا إفراز الشعوب. المشكلة الرئيسية هي مشكلة إدارة والشعوب العربية متأخرة جداً في الادارة وبالتالي أفرزت قيادات غير جاهزة لإدارة بلدانها. يبدو أننا استعجلنا على طرد المستعمر الذي أفرز لنا حكام نصف متعلمين وهرب قبل أن يرسي دعائم الديمقراطية وترك لنا الديمقراطية لنفصلها على هوانا وبطريقتنا المشوهة. المشكلة الأكبر هي عدم وجود جدية في التطوير سواء في أعلى الهرم أم في قاعدته. لا نجد الأفراد يجيدون إدارة ذواتهم ولا يحاولون تطوير مهاراتهم بل نجدهم يقفون عند كل عقبة ويستدعون كل مبررات الفشل لتبرير اخفاقاتهم. كذلك الأمر بالنسبة إلى القيادات التي أفرزتها شعوبنا؛ لم تحاول تطوير ذاتها ولم تستعن بالموهوبين من أبنائها للتطوير وللتخطيط للمستقبل بل استغلتهم لأغراض أمنية وعسكرية فقط أي للبحث عن سبل السيطرة على شعوبهم وإبقائها خائفة وربما أقول جاهلة إلى الأبد من أجل تبرير استمرار وجودها أطول فترة زمنية ممكنة. لا توجد مؤشرات تفاؤل بأن التفكير الجمعي للشعوب العربية مهيأ لتحمل المسئولية. لا زلنا نبحث عن مبررات لفشلنا بينما نحن نتفرج بدون سعي حقيقي للأخذ بأسباب التغيير.

*******

الوضع في عمان على سبيل المثال هو وضع مصغر لما يجري في بقية أو معظم البلدان العربية باستثناء أن شعبنا مسالم وقنوع إلى أبعد حد ولم نصل بعد إلى صدام عنيف بين المواطنين والحكومة منذ أن استقر الحكم لصاحب الجلالو. لكن لا نستطيع أن ننكر أن عمان كنظام عبارة عن بلد عسكري وأمني من الطراز الأول رغم مسالمة الشعب وشخصياً أعزي سبب ""تأخرنا"" الرئيسي(في الجوانب المدنية) إلى هذا التوجه العسكري الأمني القوي. بطبيعة الحال يمكن كشف هذا الأمر من خلال عاملين رئيسيين؛ الأول هو النفقات الهائلة في هذا الجانب أي الجانب العسكري والأمني والثاني مكانة العسكريين والأمنيين في المخصصات المالية والمحفزات مقارنة بالكوادر المدنية المتعلمة. فما هي دواعي هذه القبضة الأمنية وما هي مبرراتها؟!
هناك عوامل عدة لعبت دور في هذا الشأن وأخص بالذكر ثورتي الجبل الأخضر وظفار. فقد كانتا المبرر الأول لصب المال في الجوانب العسكرية والأمنية. بالتأكيد كان الأمر مبرراً في بداية الأمر ولكن بمرور الوقت وبعد ثقة الشعب بصاحب الجلالة واستقرار البلاد لم تعد هناك مبررات قوية لذلك الصرف الهائل على حساب الجوانب التنموية الأخرى. هناك عامل آخر وهو ضمان ولاء الأجهزة العسكرية المطلق للسلطان وهو أحد أهم العوامل التي تبرر هذا الإسراف المالي خاصة بعد أن استقرت البلاد وتوحدت. ضمان ولاء الجيش والأجهزة الأمنية يأتي من أجل ضمان استمرار صاحب الجلالة كسلطان للبلاد في وجه أي محاولة انقلابية من اقاربه الذين لا يعلمون(مثلنا) من سيكون الحاكم القادم. وكما أن السلطان انقلب على أبيه وكما أن أبيه كان قد انقلب على جده، فلا يمكن أن نغفل هذا الهاجس المخيف للجميع. بالطبع هذا افتراض ولكن هناك على الارض ما يوحي بأن السلطان غير مطمئن وهناك ما يشير أن الجيش ولاؤه مطلق للسلطان ناهيك عن الأجهزة الأخرى.
ما أود قوله يتلخص في أن الوضع الراهن بحاجة إلى وقفة قوية من المواطن والقيادة من أجل البحث عن حلول لمستقبل البلاد بدل الجمود والهروب إلى الحلول الأمنية الصرفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لابد من خلق قنوات حوار تقفز بنا إلى المستقبل وأن نعي أن الحلول الأمنية وخلق قوانين خانقة لحرية المواطن والتعامل معه من زاوية أمنية فقط لن تدفعنا للأمام بل ستعيدنا إلى المربع الأول الذي كنا نظن أننا قد تجاوزناه بعد التغييرات الأخيرة. 
كلما طبخنا الحل في المطبخ الأمني سننتهي بالصدام والمواجهة الغير مطلوبة. البلدان المتقدمة تتعامل مع المشاكل التي تصادفها بكل شفافية بينما نرسل نحن مشاكلنا إلى المطبخ الأمني لكي يتعامل مع ما يخصه وما لا يخصه، بل نصنع قوانين مفصلة(أمنياً) لمواجهة التغيير.
الحكم الذي صدر بحق الإخوة الذين أدينوا بتهمة "التجمهر" لهو خير دليل على القوانين الأمنية المفصلة. شخصياً لا أرى أي مبرر لوجود هذا القانون الذي صدر بسبب الاعتصامات. نعم قضائياً الحكم كان ""مبررا"" بحكم وجود قانون مفصل من أجل منع المواطنين من التعبير عن امتعاضهم أو اعتراضهم على أي سلوك أو تصرف حكومي يرونه خاطئا. لكن هل هذا كل شئ؟ هل نترك الجهات الأمنية تفصل القوانين حسب رؤيتها لكي تمنع البلاد من التقدم والشعب من الحرية؟ لا يمكن قبول هذا التراجع الحكومي. أعرف بعض المحكومين في هذه القضية وأعلم أنهم وطنيين إلى النخاع وأنهم لم يتجمهروا من أجل الاخلال بالنظام العام ولا بالأمن العام ناهيك عن أنهم لم يقطعوا طريق ولم يسببوا زحام حسبما أفادوا. فقط هو القانون المفصل أمنياً الذي وضعهم في هذه الزاوية الضيقة. لا يمكن أن نفتخر بقوانين ""مفصلة"" غير صادرة عن رؤية وقناعة وطنية مدنية، كما لا يمكن أن نشعر بالسعادة لأحكام قضائية صدرت بناء على تلك القوانين المفصلة.
الشباب والشابات الذين حكم عليهم في قضية التجمهر وغيرهم الكثير من الشباب العماني الذي يحلم بعمان مدنية وبوطن للجميع، كل هؤلاء هم صمام الأمان لمستقبل هذا الوطن ولا يمكن أن نقبل تحويلهم إلى أعداء للوطن والأمن العام بسبب قانون "مفصل". الحراك هو الذي سيصنع عمان جديدة خالية من العقد والخوف والتخلف. بينما صناعة القوانين المكبِّلة للحرية ستؤخر تطورنا وستؤجل المشاكل الراهنة لتنفجر في وقت آخر.
بالأمس القريب صدرت أحكام في قضية ما يسمى بالإعابة أو"الكتابات المسيئة" التي لم نكن نتمنى أن نصل لها، فهل يمكن أن ننظر لهذا الموضوع المسيء للرمز من زاوية أمنية وأنه إعابة فقط؟!! إذا كان الأمر كذلك فبكل تأكيد نحن سائرون في الطريق الخاطئ. اليوم كتابات مسيئة وغداً سيكون الأمر مختلف بل أسوأ ما دامت الرؤية هي نفس الرؤية وآلية الحل هي نفسها الآلية الأمنية المحضة.
*****
هذا الكلام لا يعني أن عمان بلد سيء أو بلد بوليسي كبعض البلدان العربية المجاورة.  هناك حراك شبابي طبيعي مسالم لا يطمح إلى المواجهة وهدفه وغايته الوطن. وهناك ارتباك في الأجهزة الأمنية من الحراك الأخير(الربيع العماني 2011) ولا نتمنى له أي الارتباك أن يسيطر على الأداء العام وينسف كل الانجازات. عمان بلد رائع وهو يمر بتجربة سنخرج منها بنتائج واعدة للأجيال القادم إذا تعاملنا مع الوضع بشئ من التروي والمنطقية. هذا التصادم الناعم بين القوانين الأمنية والحراك الشبابي سيولد قوانين مدنية أكثر ملاءمة للوضع والحالة العمانية بشرط جدية الحكومة.
من أجل الحفاظ على العلاقة الطبيعية بين المواطن والقيادة لابد من كبح جماح الشهوة الأمنية للصدام مع أي حراك يضع يده بيد القيادة من أجل التغيير والإصلاح.
عمان مهيأة لأن تكون أفضل دولة في الجزيرة العربية. لديها شباب متحمس ووطني إلى النخاع ولا توجد أحقاد بين القيادة والشعب كما أن المقومات الحضارية والثقافية والموقع الجغرافي كل ذلك يعطينا ميزة قوية لأن نكون رواد المنطقة في المستقبل، فلماذا القوانين المكبلة ولماذا نُعيق التغيير؟!.


ملاحظة: نحن لا نطمح لأن نكون كالدول المجاورة.. عمان أكبر وطموح العماني أكبر.. لا للمقارنة بالوضع الأمني أو الاقتصادي أو السياسي مع الجوار.
للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com