الثلاثاء، 26 مارس، 2013

تهنيكم الرحمة

مطر..
مطر...
مطر....
ما أحلى المطر....
اليوم وفي تمام الساعة الخامسة إلا الربع صباحا قمت على وقع الرعد المدوي اﻵتي من كل مكان، هرعت من نومي، وبين النوم واليقظة خرجت من سريري فإذا بشيء بارد تحت أقدامي، عضضت إحدى أصابعي لأتأكد إن كنت أحلم أم لا فتأكدت أني أمشي في "ضحضاح"  من الماء. شققت طريقي إلى حائط أزرار الإنارة لأكشف عما أحس به تحت أقدامي وإذا أنا بغرفتي على وشك التحول إلى بركة مائية.
مطر..
مطر...
مطر....
نعم الآن تهطل أمطار غزيرة على مدينة صلالة أو على الأقل الجزء الذي أقطن فيه منها.
توقفت الامطار بعد الخامسة والربع تقريبا.
هدأ الرعد والبرق..
الآن يمكن الاستمتاع..
من نافذة الغرفة مستمتع الان بمنظر جريان المياه في الوادي الصغير الذي ينكشف لي بين الحين والآخر جراء البرق الآت من بعيد. رائحة التربة "بعد المطر"التي أعشقها ويعشقها الجميع تفوح من كل مكان..
هدأت الأمطار.. أطفأت اﻷنوار وفتحت النافذة على مصراعيها.. الهدوء يخيم إلا أن صوت خرير المياه المتجهة إلى البحر بفعل الجاذبية كسر الصمت بعد توقف الرعد والمطر.
ما أجمل صوت الماء وما أحلى رائحة التراب بعد المطر.
أنا بانتظار الصباح من أجل التسكع في شوارع المدينة... أعلم أن بلدية ظفار لا تحب المطر :)
مطر
مطر
مطر
صباح المطر .. صباح النقاء
أتمنى السلامة للجميع وجعلها الله أمطار خير
و"تهنيكم الرحمة".

الأمطار بسيطة لكنها كافية لإعاقة السير لولا جهد البلدية

السبت، 16 مارس، 2013

جزرنا

يدور في بالي موضوع "الجزر" أو الدوائر المغلقة في مجتمعنا المحلي والعربي منذ فترة طويلة، وأقصد بالجزر هنا جزر الحوار المغلق الذي يجتمع فيه ذوي الاهتمام الواحد بحيث يصبح نقاشهم وحوارهم عبارة عن تكرار لنفس الخطاب وإعادة مستمرة له، سواء أكان محور النقاش والطرح فكر سليم أم فكر مشوه. هناك أمثلة كثيرة على وجود الجزر أو الدوائر المغلقة في حياتنا.
حوارنا الديني أو المجموعات الدينية:
أستطيع القول أن الحوار الديني في مجتمعاتنا العربية متطابق بصورة كبيرة من حيث الانغلاق و التعصب الحاد للفكرة واﻹقصاء الشديد للمختلف، لكني هنا أركز على فكرة أبسط تتعلق بآلية الإقناع الداخلي(داخل المجموعة) التي تركز على فكرة أو موضوع ما يتم طرحه وترديده بشكل متكرر على نفس الأفراد المقتنعين أو لنقل الذين لايريدون الاقتناع إلا به أو الذين يعلمونه مضمون الطرح قبل أن يطرح. أكبر مثال على ذلك ما يطرحه الوعاظ والخطباء في المساجد حول أحداث إسلامية تاريخية كمعركة بدر وحادثة الاسراء والمعراج وأهمية الصلاة في جماعة وبر الوالدين والجهاد.. إلخ. عندما نستمع إلى الطرح في مثل هذه المواضيع نجد أن هناك نقل للأحداث كما وردت في كتب التراث دون أن يكون هناك جديد في الطرح وهنا أكاد أجزم أن الجميع يعلم ما سيقوله طارح الموضوع(الخطيب أو الواعظ مثلا) قبل أن يطرحه. لا تجد جديد أو إضافة أو استنباط لفكرة جديدة غير التكرار لسرد أحداث حصلت قبل 1400 سنة في أغلب الأحيان. هذا السرد تردده كل مجموعة حسبما ورد في كتب ثقاتها( السنة والشيعة مثلا). ونظرا لوجود اختلاف في الروايات واختلاف الثقات تجد كل مجموعة تركز على ما يخدم أهدافها في ذات الموضوع بحيث تتحول المجموعة إلى جزيرة محاطة بفكر واحد ولا تقبل الفكر المخالف بأي حال من الأحوال. تتقوى الجزيرة ويشتد انعزالها بقدر تكرار الطرح وكلما اشتد الخوف من تأثير الجزر الأخرى بدأت آلة العزل في الدوران من أجل الحفاظ على أكبر قدر من الاتباع. يتأتى ذلك العزل ويشتد من خلال ذكر مثالب الجزر اﻷخرى ونعتها بأسوأ النعوت بل ووضعها جميعا في سلة واحدة وهي سلة العدو المتربص بنا والمنتظر منا غفوة بسيطة للانقضاض علينا. طبعا هناك جزيرة أكبر هي جزيرة المسلمين هنا والتي تستعدي غير المسلمين وتشتد عزلتها من خلال الحديث عن المؤامرات والدسائس التي يقوم بها الغرب المسيحي وإسرائيل لإلهاء المسلمين عن دينهم وكأن الغرب "فاضي" ما عنده شغل إلا جزيرة مقدسي الجهل. هنا في هذه الجزيرة يكاد يتطابق طرح كل الفرق الدينية فتجد أن التركيز ينصب على أن هم الغرب وحده أن يبتعد المسلمين عن صلاتهم وعن بر الوالدين وعن التماسك اﻷسري لكي يحولونا إلى كفار أو مسيحيين. هنا يتم الحديث عن عيوب الحضارة الغربية كالتفكك الأسري وشيوع العلاقات المحرمة وغياب التكافل إلى غير ذلك من الاسطوانات المعادة في كل وقت وحين.
تتعاون جزيرة الخطاب الديني بشكل كبير مع السلطة بحيث تضمن استمراريتها وبحكم استغلال السلطة للخطاب الديني من أجل السيطرة على العامة. كذلك في الدول التي تضم مذاهب متنافسة تظل ورقة المذاهب ذهبية في يد السلطة، فبدلا من خلق جو من التسامح تسمح السلطة بوجود نوع من الشرارة قائمة بين الفرق حتى تظل هي الضامن الوحيد للأمن. ولعل ما حصل في العراق ويحصل الآن في سوريا والبحرين أكبر دليل على أن التسامح الذي كان أيام الهدوء لم يكن إلا تسامحا إجباريا مزورا.
الحوار القبلي:
يعد الفكر القبلي أكبر نواة مولدة للتقوقع والإقصاء. ولا أستطيع هنا التمييز بين الفكر القبلي والفكر الديني عندنا نحن العرب ﻷن هناك تأثير خرافي لفكر القبيلة على فكرنا وسلوكنا الديني. بطبيعة الحال عدو القبيلة هنا ليس الغرب بل القبائل المجاورة. فتجد كل قبيلة تذكر عيوب القبيلة اﻷخرى، بل يصل اﻷمر إلى الدخول في تفاصيل دقيقة تشكك في أصول القبائل اﻷخرى ونقضها للعهود وظلمها لغيرها بينما تتحدث كل قبيلة عن نفسها بأنها صاحبة أمجاد في الحروب وحاملة لقيم أخلاقية قبلية لا تتوفر في قريناتها من القبائل ناهيك عن أصلها النقي الذي لا يضاهيه نقاء في أي قبيلة أخرى. هذا الطرح تصاحبه مبالغات وخيالات عن أمجاد تضاهي في قوتها قوة أعتى الدول في وقتنا الحاضر. بطبيعة الحال يظل هذا الغسيل للمخ مستمر على مدى أجيال بحيث يصنع كره متراكم لكل القبائل المجاورة الأمر الذي يشعل الحروب بين الحين والآخر على قضايا تافهة جدا. في الوقت الحاضر لا توجد حروب بسبب وجود الدول ولكن في حالة أي زعزعة أو اختلال أمني كالحاصل الآن في ليبيا تبدأ القبائل في التطاحن. هذه القنابل الموقوتة تتغذى ذاتيا بسبب تفشي الجهل وتكرار الخطاب وهي موجودة بكثرة في الدول القبلية كدول الجزيرة العربية وبعض الدول العربية كليبيا.
يتعاون الخطاب القبلي مع السلطة بحيث ينتفع بعض أفراد القبيلة من السلطة وتبقى السلطة قائمة بحكم سيطرتها على رموز القبائل واللعب بهم كأوراق ضامنة لخلق الفوضى متى ما شاءت وهنا لا يستغنى أحدهما عن الآخر. يظل الكره المتوارث بين القبائل ورقة في يد السلطة تلعب بها متى ما شاءت، وخير دليل على ذلك ما حصل في معظم الدول العربية إبان احداث ما يسمى بالربيع العربي.
الحوار الثقافي أو حوار المثقفين:
المثقفين العرب أيضا يعيشون كجزيرة أو جزر حسب توجهاتهم وهم غالبا في حوار داخلي لا يتداخل مع العامة أو الحكومات(باستثناء مثقفي السلطة في كل دولة)، بل إنهم يغذون بعضهم البعض بانعزالهم عن الشعوب بسبب جهلها -حسب رؤيتهم- وعدائم للحكومات بسبب راديكاليتها وتسلطها وتخلفها. يظل حوارهم من بعيد متعاليا عن الشعوب ومعاديا للسلطة وبذلك ينحسر تأثيرهم على بعضهم البعض فيزيد الانعزال ويقل التأثير، فتظل الشعوب جاهلة والحكومات متسلطة وطاغية وهم في جزيرتهم قابعون.اتحدث هنا بصفة عامة ولا أعني الاستثاءات من هؤلاء الذين نعول عليهم الكثير في حلحلة الوضع السيئ الذي نعانيه من الجل والتخلف الذي لن يبرح مكانه ما لم يقم هؤلاء بدورهم وينزلوا من بروجهم العاجية للحديث والتخاطب بلغة يفهمها البسطاء منا.
جزيرة السياسيين:
السياسيون العرب أيضا يعيشون كجزر معزولة عن العامة ويتحدثون دائما من أعلى. يجهلون(بضم الياء وشد الها) الشعوب ويستغلونها، ويعادون المثقفين ويتفردون بالأحزاب وإن وصلوا للسلطة يذلون الشعوب ويقصون بقية الجزر السياسية ويحاولون تقزيمها وإضعافها ووصفها بكل النعوت السيئة(كالعمالة للغرب) الكفيلة بإبقائها بعيدا عن السلطة.
جزر التجار:
جزز التجار تعتبر من أكثر الجزر قوة، وتكتسب قوتها من الاحتكار واستغلال الشعوب وتعاونها الدائم مع السلطة التي تسهل لها عمليات الاحتكار بسن القوانين الكفيلة بضمان قبضتها على كل ما يحتاجه المواطن، وهنا تعتبر هذه الجزيرة متفتحة بحكم اتحادها مع الجزيرة السياسية لضمان بقائها( زواج بالإكراه).

*******************************

ربما يكون سبب وجود الجزر عندنا بهذه الكثرة عائدا إلى كوننا نتاج للجزيرة العربية، فالجزيرة هي التي ولدت الجزر :).
هنا لابد ما أشير إلى ضرورة الحوار الجاد ونشر ثقافة قبول الآخر من أجل ضمان عيش مشترك منتج. مالم نجد طريق للحوار سنظل أكثر انعزالا وتخلفا وجهلا وستكبر الجزر وسيطول الدوران في نفس الحلقة المفرغة التي يخسر فيها الجميع.
هناك بوادر توحي بأن الحوار سيأتي ولكن الإرث ثقيل والآثار الجانبية أو مقدمات الحوار ستكون صعبة وربما دامية.. نسأل الله السلامة.
للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com