الخميس، 12 ديسمبر، 2013

الوطنية مضمون وليست شكلا فقط

الوطنية ليست قصيدة.. ليست لباس.. ليست ادعاء..ليست عمود صحفي أي ليست كلام.. ليست مرتبطة بأهداف شخصية ضيقة.. ليست أهواء وأمنيات.
(1)
الوطنية عمل أو نتيجة العمل؛ إن كانت أي النتيجة حسنة فهي وطنية وإن كانت سيئة فهي شيء آخر.
شخصيا أرى أن اﻹنسان الذي يعمل بوعي وإخلاص ويتقن عمله هو الوطني بصرف النظر عن المكان أو الوطن الذي يعمل فيه. فالعامل اﻷجنبي الذي يعمل في شركة أو مؤسسة حكومية في بلد ما على هذا الكوكب يكون وطنيا عندما يحقق أهداف مؤسسته وفق اختصاصه. كما أن الانسان الذي يقدم استقالته عندما لا يستطيع أن يحقق أهداف المؤسسة التي يعمل فيها ويتيح الفرصة لغيره ويدفع عن نفسه الحرج هو وطني بالضرورة لأنه لم يكابر ليسبب إهدارا لمال مؤسسته وكرامته. هو بالتأكيد سيبحث عن مكان يحقق فيه وطنيته.
(2)

الوطنية في مفهومنا الدارج "تعصب للوطن بالمطلق" وذلك نابع من ثقافتنا القبلية، وهذا النوع من الوطنية به علة تتنافى وأهداف الوطنية الحقة. فمن ينطلق في وطنيته من منطلق التعصب لا يمكن أن يبني وطن لأن الوطن ليس قبيلة بل هو مجموعة من البشر لهم أهداف مشتركة ومصير مشترك على بقعة معينة من هذا الكوكب، وبالتالي فإن الوطني المتعصب سيحابي من يتعصب له داخل هذه المجموعة وهنا يكون قد أخل باﻷهداف المشتركة، ومن هنا يبدأ الفساد الذي نشترك فيه جميعا كل حسب مستواه.
في بلدنا الحبيب عمان ووطننا العربي الكبير( كما يردد معلقو الرياضة دائما) ننظر لعيوب من فوقنا ومن تحتنا على اعتبار أننا أنقياء وأطهار بينما نحن نمارس الفساد حسب مستوانا وحسب المتاح.
(3)
الوطنية في مشاريع الدولة:
عندما تصدر مراسيم سلطانية تكون مبنية على المصلحة العامة، فيأتي من يطبق هذه المراسيم وفق وطنيته وتأتي النتيجة مكتملة أو غير مكتملة حسب فهم من ينفذ المرسوم. كذلك الأمر بالنسبة للتوجيهات السامية قد تتعرض للتقليم بسبب سوء تخطيط وتقدير المنفذين( مسرح المروج ومجمع السعادة الرياضي في صلالة أقرب مثالين عندي).
المشاريع الخدمية ومشاريع البنية التحتية تحمل هدف واحد وهو خدمة المواطن والمقيم لكن المستفيد اﻷكبر منها هو الشركات المنفذة لتلك المشاريع مقارنة بالفئة المستهدفة. فقد يتم إسناد مشاريع لشركات لديها تاريخ أسود في سوء التنفيذ واﻷمثلة لا حصر لها تحت شعار دعم الشركات الوطنية(شكلا) والمملوكة فعليا من قبل اﻷجانب.
تعدد الاهداف في مشروع واحد(خدمة المواطن ودعم الشركات الوطنية) قد يؤدي إلى تضارب هذه الاهداف وبالتالي الوقوع في مشاكل قد يكون علاجها أصعب بكثير من المشروع نفسه واﻷمثلة كثيرة على أرضنا.

وضوح أهداف المشروع الخدمي(الوطني) ليس كافيا بل يجب وضع خطة مناسبة؛ وضع اﻷهداف على الورق بعد اختيار المخططين المتخصصين لمتابعة تنفيذ المشروع، النظر في إمكانية تحقق اﻷهداف بواقعية، وضع خط زمني لمراحل المشروع توفير الموارد المالية، وضع القوانين المنظمة لتنفيذ المشروع، المحاسبة في حالة عدم التنفيذ بالطريقة المرسومة أو تعثر المشروع وفق القوانين الموضوعة، إشراك وسائل اﻹعلام في متابعة مراحل تنفيذ المشروع ونتائجة.
كثير من مشاريعنا(الوطنية) تعثرت قبل الوصول إلى أهدافها أو تشوهت أثناء تنفيذها، لأنها بنيت على أرضيات غير صحية نتيجة وجود أهداف هلامية غير واضحة وغير واقعية ولا تتناسب مع الخطة الموضوعة لتنفيذها إن كانت هناك خطة أصلا. يضاف إلى ذلك وجود أشخاص لم يتم تأهيلهم التأهيل المناسب لفهم المشروع ومراحل تنفيذه الأمر الذي يؤدي إلى التخبط وضياع المال العام مما يضطر الجهة صاحبة المشروع إلى ترقيع المشروع والبحث بطريقة أو بأخرى عن مصادر جديدة للتمويل. هنا يقوم المنفذ للمشروع باستغلال جهل المشرفين على عليه وتبدأ عملية "حلب" الحكومة، فيظهر العجز كالعادة في الميزانية العامة. لهذا أرى أن المواطن الغير مؤهل هو غير وطني من حيث النتيجة والفعل، حتى وإن كان مخلصا. الوطنية حسب مفهومي هي النتيجة أو المحصلة وليست نية، فالعبرة كما يقال بالخواتيم. أي مشروع لم يصل إلى أهدافه هو مشروع مهدر وأي إهدار هو خيانة(حتى وإن لم تكن مقصودة) والخيانة تتنافى مع الوطنية. صحيح أن تراثنا يقول أن المجتهد له أجران لكن هنا لا مجال للإجتهاد.
من هنا أدعو إلى "مشروع تكريس الوطنية" في كل وزارة وكل جهة حكومية ويكون هذا المشروع عبارة عن مشروع تدريب مكثف في كل جهة حسب اختصاصاتها من أجل تأهيل كل موظف للقيام بعمله على أكمل وجه. عمان بها وطنيون ومخلصون(من حيث النية) ولكن الخلل في تدريب هؤلاء وفي تعليمهم وفي ثقافتهم مؤثر وواضح في نتيجة أعمالهم ومشاريعهم المتعثرة.
(4)
لدينا مشكلة مفاهيم فالوطنية ليست الإخلاص وحده مع أن الإخلاص مطلوب ومحمود. القائد المخلص هو من يبحث عن الأسباب لإنجاح أهداف قيادته باستقطاب المؤهلين للقيادة وتأهيلهم إن كانوا يفتقرون إلى المهارات. القائد المخلص هو من يعطي الخبز للخباز ويبحث عن من يساعده على بلوغ أهدافه.
لا توجد وصفة سحرية لصناعة الوطنية والضمير لكن توجد أسباب إن عملنا بها ستساعدنا جميعا لأن نكون أكثر وطنية. نحن بحاجة إلى ثورة وطنية لصناعة مواطنين وطنيين شكلا ومضمونا.

ملاحظة: 
ليس للموضوع صلة بموضوع الاتحاد الخليجي والشتائم "الوطنية" بين بعض السعوديين وبعض العمانيين الذين خرجوا عن صمتهم المعهود.
للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com