الأحد، 10 أكتوبر، 2010

من أين تؤكل الرقبة ؟!




المثل الذي يقول "فلان يعرف من أين تؤكل الكتف" يعطي انطباع بأن فلان لديه المرونة الكافية للوصول إلى هدفه بأقل الخسائر . لكن عندما نقارنه بآخر "يعرف كيف يأكل الرقبة"، فإن الكفة ترجح لصالح الأخير، حيث لا توجد مقارنة بين تعقيدات عظام الرقبة وعظمة الكتف؛ فعظام الرقبة عبارة عن مجموعة معقدة من الفقرات المتشابكة(رقبة البقرة تحديداً) وغالباً ما تكون نتيجة البحث عن اللحم بين ثناياها محفوفة بالمخاطر، واسألوا مجرب :).

في الثقافة الظفارية - خاصة ثقافة سكان الأرياف- هناك تعامل خاص مع اللحم. ويحظى اللحم العظمي (الملتصق بالعظم) بتقدير خاص . فيمكن الحكم على شخصية الفرد من خلال تعامله مع العظم!!! لا أمزح هنا، فالشخص الذي يترك بقايا اللحم في العظم بطريقة غير منظمة يمكن أن يتعرض للتوبيخ من قبل من هم أكبر منه. وإن كان كبيراً في السن فإنه يضع نفسه في خانة التخلف بالنسبة للثقافة نفسها وذلك هو الميؤوس منه :).

في الغالب تجد الأب يعلم أبناءه كيفية التعامل مع العظم وكيفية استخراج لحمه بطريقة غير مقززة كجزء من التربية التي يحرص على غرسها في أبنائه.

*****

على مستوى الكبار فإنه يمكن القول أن العظم هو الذي يحدد مكانة الشخص بين الجموع أثناء ولائم الأفراح والأتراح..

كيف؟!

في ولائم الأعراس والمآتم القديمة يتم توزيع العظام قبل توزيع اللحم(ما في هناك شيء آخر غير اللحم إلا التمر الذي كان نادرا). كانت هذه العادة متبعة حتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي في بعض المناطق في الريف. يتم التوزيع حسب الأهمية؛ فالرجل الكبير أو المهم أو الشيخ يتم إعطاؤه عظمة "القص"( الصدر)، حيث يوجد بها أجود أنواع اللحم حسب الثقافة اللحمية المحلية. فعادةً ما يكون في "القص" مزيج من اللحم والشحم بالاضافة طبعاً إلى العظم الغضروفي والعظم العادي الذي لا يؤكل:). تلك العظمة (القص) هي بمثابة رأس الذبيحة عند بقية الثقافات الأخرى في عمان والجزيرة العربية.

تأتي بعد عظمة الصدر بقية العظام الأخرى(ولا يحضرني التسلسل الصحيح.. عظمة الحوض والعمود الفقري والأضلاع... إلى أن نصل في الأخير إلى الرأس والرقبة والعجز أو "العكروت" كما تسمى بالجبالية..).

في الثقافة الريفية لا يمكن أن تُقدم رؤوس الذبائح للضيوف أو للأشخاص المهمين لأن لحم الرأس قوي وغير مستساغ، وعادة ما يترك كل من الرأس والرقبة للنساء اللائي يعتنين بصغار البقر أو الغنم.. لا أدري لماذا؟!! قد يكون نوع من التمييز :( بل هو كذلك للأسف.


*****

في ولائم الوقت الحاضر يتم تكديس الأنواع الجيدة من العظام في صحن ويتم تقديمها إلى كبار السن والأشخاص المهمين والضيوف.

*****

في الوقت الراهن تغيرت العادات بعض الشيء بسبب "العولمة" إن صح التعبير، حيث طغت ثقافات أقوى على الثقافة المحلية البسيطة وأصبح هناك نوع من التحول إلى تطبيق طقوس دخيلة على تلك الثقافة في شتى المجالات وفي العزائم على وجه الخصوص. فقد أصبح وضع رأس الذبيحة في الطبق الرئيسي في معظم العزائم التي يكون المعزوم فيها شخص غريب عن الثقافة المحلية، أصبح ذلك من المسلمات.
*****
ختاماً فإن الذين يعرفون كيفية التعامل مع "الرقاب" هم الأكثر حظاً في هذا العام الأربعيني ولا يسعني إلا أن أتقدم بالتعازي الحارة للذين انخدعوا بالكتف طيلة الـ39 سنة الماضية ولم يحسبوا لرقبة الأربعين حسابا... وفلانة رقبتش* حالية كما موز المعمورة :).

* فلانة طعمش حالي كما موز المعمورة (مقطع من قصيدة للشاعر جمعان ديوان)

هناك 5 تعليقات:

  1. لا معانا كتف ولا رقاب راحت علينا :(

    ردحذف
  2. أماسي
    بيني وبينك :) أنا أحب "الجشوف" ومع ذلك أعاني معاناة شديدة في التعامل معهم، لأن "الجشف"* سهل ممتنع مثل شعر نزار قباني :).

    * جشف مفرد وجمعه جشوب وهي عظام القفص الصدري.

    ردحذف
  3. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف

للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com