السبت، 9 يوليو، 2011

من أين تؤكل الوطنية

أتى مهرجان صلالة السياحي بعد عام مفعم بالإحتقان الشعبي والاعتصامات التي تشظت من المدن الرئيسية إلى كل مكان من عمان اعتراضاً على الوضع السيء الذي وصل إليه الأداء الحكومي. أتى بعد الاعتراض الواضح الذي أبداه الشباب العماني على استشراء الفساد في أجهزة الدولة. أتى بعد أن أوصل المعتصمون رسالتهم للحكومة أو بعد أن قالت الحكومة أن الرسالة قد وصلت عندما أنهت الاعتصامات بقوة الجيش. بعد كل تلك الاحداث ظننت –كمواطن- أن الحكومة ستغير شيئاً من السياسة السابقة وأنها ستوضح للمسئول العماني ضرورة مراعاة ثورة الإعتراض الشعبي على الفساد بشتى أنواعه. في مهرجان صلالة السياحي لهذا العام  أتى الأمر مختلفاً عن كافة توقعاتي فمنذ بدايته كانت هناك رسالة توحي للمتلقي أن هناك أمراً ما قد حيك ضد شخص جلالة السلطان خلال فترة الاعتصامات. وأن عرش جلالته قد نجا بأعجوبة من محاولة انقلاب فاشلة..
 أعلم أن المهرجان السنوي في صلالة مهرجان سياحي ولكنه لم يكن يخلُ من المسحة التملقية التي تعطي انطباع بأن المهرجان عيد ميلاد للسلطان وليس مهرجان سياحي. تعودنا أن تكون أعيادنا الوطنية مكرسة لشخص صاحب الجلالة ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك بل تم استنساخ الطريقة لتصبح مطبقة على المهرجانات السياحية. هذه السنة خلا المهرجان من حفل الافتتاح(الأوبريت كما يُسمى) الذي كانت غالبية قصائده(بركاكتها) تركز على شخص جلالة السلطان ومنجزات النهضة. بالطبع لا نستطيع إنكار ما قام به هذا الرجل وكيف أنه انتشل البلاد من ثالوث الجهل والمرض والفقر ولكن هذا لا يعني أن نحشره في كل شيء أو أن نجبر المواطن على معرفة أمر هو في الأصل يعرفه.. يجب أن نعطي المواطن قسطاً من الراحة وأن نحترم جلالة السلطان حتى في طريقة المدح والتمجيد. المواطن لا ينتظر من أي مسئول أن يجبره على النظر من خلال عينه هو أو من خلال مصلحته الفردية لتعريف وطنيته.
*****
الفن عبارة عن لغة استخدمها الانسان لترجمة تعابيره سواء أكانت تلك اللغة سمعية،  بصرية أم يدوية. تتطور تلك اللغة كلما زاد عدد الفنانين ويزداد عددهم كلما زاد عدد الجمهور المتلقي والمتذوق لسحر تلك اللغة. وكلما تحرر الفنان كلما أبدع. في وطننا العربي قامت الأنظمة بأدلجة كل شيء وكان للفن نصيبه من هذه الأدلجة. تم حصر الإبداع في لون معين وفي فئة معينه وفي نظام دون غيره. أصبح الغناء لحزب واحد أو لشخص واحد وأصبح النحت مثلاً مكرس للقائد الأوحد وأصبحت المسابقات مرتبطة  بمناقب الرئيس وما يحبه والألحان لملحن الرئيس والكلمات لشاعر الرئيس والتوزيع لموزع الرئيس. الفنون التشكيلية والتصوير الضوئي وغيرها من الفنون أصبحت تعدد ثمار الحزب والسلطة ومنجزاتهما وتركت قضايا الشعب لأنها غير معنية بها. هنا تم قتل الإبداع وتم تشويه مفهوم الفنون. أصبحت الأجيال تحمل مفاهيم خاطئة وتعريفات تختلف عن التعريفات الحقيقية عند الأمم الأخرى. في عمان وتحديداً في مهرجان صلالة السياحي لهذا العام 2011 تم استخدام أحد الفنون وهو التصوير الضوئي لإيصال رسالة لم يكن لها داع لأنها لم تكن خافية.
عندما تم إلغاء أوبريت الافتتاح لمهرجان هذا العام استبشرنا خيراً وقلنا أن الرسالة قد وصلت وأن الحكومة قد استوعبت مطلب الشعب. لكن الإبداع لا يتوقف عند حد والغاية تبرر الوسيلة دائما ، والحفاظ على المراكز والمغانم يحتاج إلى الإلتفاف والتشكل. كان لا بد من إيجاد طريقة أخرى لإثبات الولاء والوطنية فهناك الذين يعرفون من أين وكيف تؤكل الوطنية وفي أي ظرف. فتكثيف صور جلالة السلطان في المهرجان "السياحي"  وتسليط الضوء بكثافة على معرض مصور صاحب الجلالة  وجعل المعرض مستمر إلى نهاية المهرجان لهو دليل على أن هناك من يستغل ما حدث من اعتصامات لغرضين أولهما إظهار الوطنية  والولاء واحتكارهما لأغراض شخصية والثاني رمي بقية المواطنين في حفرة الاتهام بعدم الولاء وربما بالخيانة. نعم أتى المهرجان بعد الاعتصامات التي رفعت صور جلالة السلطان وقالت " يداً بيد للقضاء على الفساد". الذي يحصل هنا مختلف فهناك استغلال رخيص للحدث وهناك ما يوحي للزائر بأن مستوى شعبية جلالة السلطان قد نزل في ظفار مما يستدعي تكثيف صوره في مداخل ومخارج ومعارض ساحة المهرجان.
الحاجة الوحيد التي كانت تميزنا عن بقية الدول العربية أن السلطان رغم عشقة للتصوير إلا أنه الأقل حضوراً على البيوت والبنايات الضخة. نعم هناك تكثيف لصوره في وسائل الاعلام المحلي ولكن واجهات بيوتنا وأسواقنا تخلو تماما من صوره إذا استثنينا فترة عيد ميلاده و23يوليو عندما كانت توضع صوره في شوارع المدن الرئيسية على أعمدة الإنارة.
أتمنى إيقاف هذا النوع من المهازل وأقصد هنا ما يجري من تكريس لأمر ليس له داع في مركز البلدية الترفيهي لأن هذه الحركات قد تكون ذات مردود عكسي على شعبية جلالته خاصة إذا أتت عن طريق أشخاص لم تُختبر بعد محبتهم لصاحب الجلالة.
أقول ما قرأتم وأستغفر الله لي ولكم..

هناك تعليقان (2):

  1. susan
    طلب: الرجاء ترجمة مقالاتك إلى العربية لكي نفهم وننشر ولنا الأجر :)

    ردحذف

للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com