الثلاثاء، 1 مايو، 2012

بعيدا عن مباديء التمرهندي


كنت أرمي اللوم بكبره على الحكومات العربية بسبب إخفاقها في نقل الشعوب من ثقافتها السلبية الراهنة إلى ثقافة احترام العمل وتحمل المسئولية -بكل جوانبها- تجاه الوطن لأنها أي الحكومات تملك "كل شيء" وهي بالفعل تملك كل شيء وتستطيع توجيه الرأي العام والمجتمع نحو التغيير الإيجابي وتستطيع تأهيل المواطن ودفعه نحو التخلص من السلبية الموجودة بطريقة أسرع بدلاً من ترك الأمر كما هو  إلى أن تتغير الأشياء من تلقاء نفسها.. مع كل هذا علينا أن لا نرمي كل الحمل على الحكومات فما رجالاتها إلا منا، إن صلحنا صلحوا وإن فسدنا فسدوا، بل يجب أن نسعى كأفراد بجد لتغيير سلوكنا وعاداتنا المعيقة للتقدم لكي نفرز في المستقبل من يستطيع تلبية مطالب أحفادنا على الأقل.
،،،،،،،،
هناك جدل دائم حول "من أين يبدأ التغيير"؛ هل الأفضل أن يبدأ من قاعدة الهرم  باتجاه الرأس أم العكس؟ وثقافتنا تقول أن التغيير يجب أن يبدأ من الأعلى بحكم ارتباطنا بالأنبياء والأبطال بينما تجاربنا تقول أن التغيير من أعلى هو تغيير محفوف بالمخاطر لأن ثباته مستحيل وبالتالي رجوع الناس إلى نقطة الصفر هو نهاية السير في ذلك الطريق -في الغالب- وخير دليل هو الحكومات الناتجة عن الانقلابات في العالم الثالث والتي لم تتزحزح عن الحكم إلا بانقلابات وثورات اشتعلت بسبب جمودها وتسلطها. لهذا فإنني أفضل الدفع باتجاه تغيير السلوك الفردي من خلال النشاط التطوعي التثقيفي في البيوت وأماكن العمل وذلك بخلق وابتكار طرق جديدة للتغيير مهما كانت البيئة المحيطة محبطة. هذا بلا شك سيخلق ثقافة جديدة تضغط بشكل متدرج على حامليها لإفراز طريقة حياة مناسبة من خلال تأثيرها على محيطها.
،،،،،،،،
العقليات القديمة المسكونة بالهاجس الأمني وشبح المؤامرات والخوف من الخطر الخارجي(أو التي تطيل عمرها باختلاق الأعداء) لم يعد هذا العصر عصرها وإن كانت موجودة فهي التي يمكن أن تعيق مثل هذه التحركات وهذا هو مكمن الخطر ومنشأ الخوف الذي يسيطر على الناس في الوقت الراهن. كانت الحكومات المتسلطة بحكم سيطرتها على الأجهزة الأمنية والمال تستطيع أن تعيق التغيير وهذا ما دفع شعوب العالم الثالث إلى اليقين بأن التغيير يجب أن يبدأ من القمة لأنها أي القمة لن تسمح بأي تغيير وتضرب عادةً بيد من حديد على كل من تسول له نفسه "التفكير" في زعزعة النظام وإن كانت نية سعاة التغيير تحسين الأوضاع فقط.
،،،،،،،،
لا شك أن الفرد هو أساس التغيير ولكن عندما تخفق أي قيادة -على الرغم من سيطرتها على المفاصل الحقيقية الدقيقة للمجتمع- فإن فساد الأفراد أو إفسادهم (الهدم) يكون أسهل وأسرع وبالتالي من الصعوبة بمكان إعادة الثقة في الحكومات التي تتوالى فيما بعد مهما اجتهدت لأن الإدارة الفاشلة كانت قد أسست لثقافة ليس من السهل انتزاعها والقضاء عليها بعد أن تجذرت. أصبح الإقتصاد والحياة العامة مبنية على ذلك النمط الفاسد وأصبح الفساد ينتج نفسه بالتوازي مع الجهل وبالتالي تنتظر الشعوب مخلِّصين من السماء بينما هي غارقة في ممارسة الفساد وإنتاجه من القاعدة إلى قمة الهرم. الفساد هنا لا يعني في كل الأحوال الفساد الناتج عن سوء نية أو عن سبق إصرار وترصد بل قد يكون الفساد المبني على النية الصادقة لمنفعة الناس أو الناتج عن بعض السلوكيات الناتجة عن الثقافة العامة والتي تستبيح المال العام وتهدره من أجل منفعة شخص أو فئة لاعتبارات قد لا تكون منطقية للعامة لكنهم أي العامة لا ينكرونها حين تصب في جيوبهم كأفراد.
،،،،،،،،
في المجتمعات الحية يحصل التغيير من القاعدة من خلال ضغطها باتجاه القمة بحيث نتج عن ذلك سن قوانين ودساتير فصلت السلطات وقللت بل قضت على النفوذ المطلق للأفراد وبالتالي قل الفساد وأصبح كشفه سهلاً. ولأن تلك المجتمعات هي التي أفرزت القوانين فقد تشكلت ثقافة احترام القانون ولأن تلك المجتمعات كانت بحاجة إلى حماية مستمرة فقد جعلت للقانون هيبة واحترام وأوجدت له آليات الاستقواء.

في مجتمعاتنا المليئة بالجراح ننتظر المخلصين دائماً لذلك نختزل الخير والخلاص في شخص نعلم مسبقاً أنه لن يدوم وبفنائه ننتظر السماء أن تمطر لنا غيره وإن لم تمطر لنا غيره نظل مرتبطين به وتكبر مع الزمن صورته في مخيلتنا لدرجة تقترب من صورة الإله والنتيجة أننا نظل في حلم مستمر. هذه الثقافة لا تحملنا كأفراد أي مسئولية تجاه التغيير بل تشجعنا على رمي المشكلة على مسببِ هلامي غير مُعرّف وغير موصوف وعليه يضيع التشخيص وننتظر السماء ولا تأتي السماء بشيء بل ننتج نحن باسم السماء أوهاما تعزلنا عن الواقع وتحجبنا عن رؤية حقيقتنا وتدفعنا للبحث عن العدو المتفوق علينا دائما لنرمي عليه كل أسباب الفشل. نبحث عن كل ما يبعد عنا اللوم كأفراد فتسقط الجماعة.
،،،،،،،،
ربما لأني أعرف أن الإنسان "العربي" بمجموعة معارفه التي استقاها من تراثه وثقافته يُعتبر "أكبر كارثة" فإني لا أعول عليه كثيراً في التغيير على المدى المتوسط لأن نَفَسَه قصير ويستعجل النتائج ولا يبني لغيره أي أنه أناني وإن ادعى غير ذلك. فطبقات الجهل والخوف التي يقبع تحتها لا تؤهله في الوقت الحاضر لأن يضطلع بدور مهم في هذا الشأن بل إنه بحاجة كبيرة إلى التبصير والتنوير من أجل إكسابه جزء ولو بسيط من الثقة لكي يصنع ثقافة أخرى تؤمن بأن التغيير ليس من أجل مصلحة فرد أو مجموعة أفراد لفترة وجيزة بل هي لأجيال قادمة ولفترات أطول.
،،،،،،،،

أخيرا..
عندما تنتقل من مكان تعتقد أنه مثالي إلى مكان أفضل منه تُصاب بصدمة تجبرك على الكفر بما كنت تعتقد أنه مثالي في يوم من الأيام.. فما بالكم بمن انتقل من الجحيم إلى جنة الحرية والعدالة والمساواة وبعد أن نهل من معين علومها ومعارفها تسلم مفاتيح بلد بأكمله وقالت له الأرض بمن عليها "هيت لك" افعل ما تشاء.
كل قيادات وصناع القرار في دول العالم الثالث وسافروا ودرسوا وفهموا الحياة الغربية.. ونهلوا من معارفها المليئة بمبادئ الديمقراطية والعدالة واحترام الانسان. عرفوا أن الغرب عملي.. يحترم القانون، يحترم العمل، يقدر صاحب المهارة والموهبة، يحتقر الفساد، يحترم الحريات وحقوق الأفراد... إلخ، لكن تلك القيادات أدارت ظهرها لكل ذلك وسيرت بلدانها بطرق شتى بعيدة كل البعد عن مبادئ " التمرهندي".

هناك 5 تعليقات:

  1. follow and support me pls
    http://lissencephalygirl.wordpress.com

    ردحذف
  2. الله يشفيك ويشفي كل المرضى

    ردحذف
  3. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  4. اغواء والوقوع في الفخ ومن ثم التشهير اسلوب قديم ويجب الحذر منه تحياتي لك محفيف

    ردحذف
  5. مرحبا أخ أحمد
    اعذرني ما فهمت ما ترمي إليه أرجو التوضيح ولك خالص المودة

    ردحذف

للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com