الأحد، 20 مايو، 2012

محفيف وكآبة القيظ


عندما تبدأ الرطوبة في صلالة تبدأ الكآبة المحفيفية. لا أدري هل أنا الوحيد من تبدأ كآبته تتبلور في هذا القيظ أم أن العدالة القيظية شاملة. من حبي للجميع تمنيت أن تتوزع "الكآبة القيظية" بحيث يكون نصيبي منها متساوٍ مع الجميع(إيثار :)). 
 بالفعل جالس أحاول مقاومة كآبة الجو التي ألقت بظلالها على كل شيء، ليس هذا العام وإنما كل عام.. الرطوبة القيظية أصبحت عدوي.
في هذا الفصل أحكم على يومي من خلال توقيت قيامي من النوم. إذا صادف وقمت متأخر يدور حوار شديد بيني وبين نفسي يقضي على الوقت الذي أقضيه بين البيت والعمل وينتهي بخلاصة أن هذا اليوم "قد يحمل مفجآت غير سارة". طبعا هذا ناتج عن ظني أنني الوحيد -في صلالة- المتأخر عن العمل لأتفاجأ بأن الشارع مزحوم بسبب بقية المتأخرين عن أعمالهم. أصبر نفسي بأني إنسان طبيعي لا يشذ عن بقية المجتمع آخذا بالحديث الذي يقول "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" وأنا من زمان أخاف من الذئب فأحاول تشجيع نفسي بلغة المبرمجين العصبيين: أنا مع الأغلبية إذاً أنا طبيعي.. سأكون مميزاً غداً :). عندما أصل إلى مواقف المؤسسة أجد أن سبب الكآبة وجيه جداً؛ المواقف ثم المواقف ثم المواقف.ولأن المواقف الظلية قد نفذت وبقية المواقف أيضاً مشغولة أجد نفسي لا شعوريا "أدعي على المعتصمين" الذين سببوا الزحمة عندنا في العمل. فبعد أن توظف في مؤسستنا أكثر من 50 شخصاً  - كنتيجة من نتائج الاعتصامات- زادت 50 سيارة وهذا بدوره عمل زحمة شديدة في المواقف الأمر الذي يجعلني أكتئب إن تأخرت عن العمل. في هذه الحالة ليس لدي مجال إلا ترك سيارتي في الشمس الحارقة على قارعة الطريق.
أضع الشمسية وأتجه إلى البوابة بسرعة شديدة متجاهلاً مجموعة من الزملاء المتأخرين حتى أجتازها. أمارس عملي بشكل طبيعي وأكون في حالة أفضل إن كان العمل مكتبياً. أما إذا كان العمل ميدانياً أكون أكثر الناس إحساساً بهذا الفصل وقساوته. العمل في الرطوبة باللباس العماني أمر لا يحتمل. لابد من حل لهذه المعضلة. إذا استمرت الرطوبة بهذا الشكل لا بد أن يسقطوا عنا لبس "المصر" أو يخترعوا مراوح أو "مايكرو مكيفات" للمحافظة على ما تبقى من شعر لدينا. ينتهي يوم العمل وأكتشف أني لم أشرب ما يكفي من المياه فأذهب إلى المقهى الكئيب واشتري غرشة(قنينة) ماء مدموغة بـ "عماني" أي أن الماء الذي بين أيدينا صناااااااعة عمانية!!!. بصراحة تقدمنا في الكيمياء لدرجة أن شركاتنا العمانية ألفت بين ذرتي هيدروجين وذرة أكسيجين فتدفقت المصانع ماءً نفخر به.. مهما اكتأبت اختياري عماني.

أصل إلى سيارتي لأحس أني دخلت مايكرويف..أشم رائحة الحليب الرائعة فأعطس العطستين المعتادتين. أشغل المكيف للقضاء على كآبة الحر فيتلطف الجو بعد عدة دقائق. بمرور الوقت يتغير الجو داخل المقصورة فتبدأ الأشياء الجميلة بالتشكل وأعود إلى طبيعتي تدريجياً لأكتشف أني لم ألبس الحزام. ولأن ثقافتي من ثقافة المجتمع الذي يستمتع بمعاندة القانون والنظام لله فلله أظل في صراع مع ذاتي هل ألبس الحزام وأنا غير مقتنع فيه أثناء السواقة في المدينة أم ألبسه من أجل تجنب المخالفات أم ألبسه لكي أكون قدوة وأدعم الحملة الوطنية للحد من الوفيات في الحوادث، أم ألبسه لإرضاء شخص -أعزه واجد- ودائما ما يحثني على لبس الحزام؟!!. هذه التساؤلات تأخذ الكثير من الوقت.. في الأخير ألبس الحزام من أجل أحد الأسباب أو معظمها فتترنح السيارة وسط الشارع ويبدأ مهرجان التصفير من الأمام والخلف.

لأنني لا أنام بعد الدوام اكتشفت أن لدي استراتيجية لا إرادية لمحاربة الكآبة بعد الخروج من الدوام وهي الذهاب إلى كورنيش صلالة(الحافة). طبعا لأسباب جينية لا أحب صوت موج البحر الشديد رغم استمتاعي بزرقة البحر ونصاعة بياض شاطئ الحافة على وجه التحديد لذا أظل في سيارتي وأمر ببطء شديد على طول الشاطئ موزعاً النظر بين المحيط الهندي والشاطئ وجزر أشجار النارجيل بين البيوت والبيوت والبحر. أنظر إلى بيوت الحافة التي ستُعدم بعد حين. حينما أنظر للبيوت التي تم بناءها بعد الـ 70 أو على النمط الحديث أجد نفسي غير متأسف على إزالة معظم هذه البيوت التي لا تحمل هوية المنطقة شأنها في ذلك شأن بقية البيوت في مدننا لكنني أشعر بالحزن تجاه الذين أجبروا على ترك بيوتهم وذكرياتهم هناك.
في طريقي إلى البيت تصادفني بعض المواقف التي أفضل عدم ذكرها.
أصل البيت.. أتغدى.. أشاهد التلفاز حتى العصر.. أبدأ في وجبة القراءة.. أحاول تجنب الكتب الكئيبة قد الإمكان.. تأتيني رسائل بشكل كثيف(ربما أفرد تدوينة عن علاقتي بهاتفي:)) تتخللها بعض الأحيان أخبار وفيات تذكرني بأحد الزملاء الذي يتحجج دائما بأنه ذاهب "لحضور دفن فلان أو فلانة" رغم أني أعلم انه يذهب في مواعيد مشبوهة.

بعد المغرب تبدأ رحلة الصيف(رحلة الشتاء إلى الكورنيش) وهي السهر في أحد المقاهي الجبلية. شخصيا أفضل مطعم كهف إتين رغم خدمته السيئة لأن موقعه جميل وقريب من البيت، فمنه تبدو صلالة متلألئة كالعروس وفيه تتحرك نسمات البحر بحرية تعطي كوب الشاي الأحمر قيمة إضافية.. نقضي السهرة في نقاشات "بجية" غير منظمة ولا تخلو من خبث ونميمة بعض الأحيان.

أرجع إلى البيت..أشاهد التلفزيون المحلي لأجد أن عنوان قضية اليوم(متابعة قضية) في أخبار العاشرة تتعلق بالسياحة في ظفار. لا أدري ماذا كان القصد من الاتصال الذي أجراه التلفزيون مع وكيل السياحة؟!!.. يبدو أنه بطلب من السياحة. كان هناك قبل أكثر من شهر في نفس الأخبار تقرير عن السياحة في ظفار والمرافق السياحية وفقرها والأراضي التي صرفت ولا تزال فضاء رغم مرور عدة سنوات على استلامها تحت شعار الاستثمار السياحي!! وكان هناك لقاء مع أحد مدراء العموم في السياحة ولم يكن هناك جديد حيث تحدث عن المشاريع السياحية في ظفار ولم يعطِ المبررات التي دفعت وزارة السياحة لعدم استرجاع الاراضي المصروفة. أعتقد أن الوكيل ظن أن التلفزيون تعمد إخفاء المشاريع العظيمة التي تقوم بها السياحة في هذا الجزء من الوطن فقرر التواصل والتذكير بها.. تكلم الوكيل عن مشاريع لن تكتمل خلال هذا العام ولا العام القادم بينما المذيع كان يسأل عن هذا العام وما ستقدمه السياحة من جديد للسائح.. فهمت من المذيع أنه كان يسأل عن ماذا ستقدم السياحة للسياح في الخريف القادم أي بعد شهر، كما فهمت من المذيع أنه يعتقد ان الوكيل يقصد أن المشاريع ستكون في متناول السائح هذا العام.. انتهت المكالمة بدون أي جديد غير التذكير بنفس المشاريع التي سمعنا عنها من مكتب المحافظ والبلدية ومهرجان الخريف ووزارة الصحة والصحافة والأخبار المحلية والسوق المركزي.. مللنا من تصريحات المسئولين وتكرار الحديث عن نفس المشاريع(مارينا صلالة.. عالم صلالة.. المستشفى السياحي المرتقب).. لم يبق أحد في عمان لم يسمع بهذه المشاريع العظيمة. طبعا عالم صلالة لم يكتمل وكذلك صلالة مارينا أو ما يعرف بمنتجع شاطئ صلالة كان من المفترض ان يبدأ افتتاح جزء بسيط منه 15 مايو الجاري حسبما سمعت من أحد موظفيه(مصري!!! تمصير الوظائف) بينما مشروع المستشفى السياحي(نسيت اسم المشروع) لا يزال على الورق بعد أن أهديت الأرض للمستثمر الذي سيأتينا بالمرضى ليشاركونا المضبي في الخريف. تركت التلفزيون ولجأت إلى الإنترنت فوجدت تصريح لمحافظ ظفار يذكر نفس المشاريع من ضمن تصريح له لوكالة الأنباء العمانية..أتمنى اختفاء هذه الظاهرة.. لازلت أتذكر تصريح معالي أحمد بن عبد النبي مكي بخصوص المشاريع في ظفار قبل عدة سنوات والضجة التي أثارها تصريحه..
 طبعا تذكرت يومي الطويل وتأكدت أن تأخري البسيط عن الدوام كان هو السبب الرئيسي لكآبتي.
*****
الهروب من صلالة إلى التلال في هذه الفترة يعتبر أحد الأسلحة الفعالة المضادة للكآبة القيظية.. كل عام والجميع بخير.

كذلك شعر نزار قباني يعتبر دواء للكآبة وأنصح به.. يقول نزار:
لم يبق في شوارع الليلمكانٌ أتجول فيه.. أخذَت عيناك كل مساحة الليل

سؤال الحلقة: كم مرة وردت كلمتي طبعاً وكآبة في التدوينة أعلاه :)؟

السبت، 12 مايو، 2012

صور في الذكرى الأولى لإنهاء الإعتصامات في عمان

* في الأسفل  بعض الصور من اعتصام ظفار في الذكرى الأولى لفض الاعتصامات في السلطنة
** التذكير هنا ليس للتحريض أو إعادة الإعتصامات وإنما من أجل أن نتذكر ما حدث بفخر وحذر وأن نظل نطمح إلى الأفضل وكذلك من أجل أن نذكر أنفسنا أن الوطن للجميع ولا يمكن اختطافه أواحتكاره إلى الأبد.
،،،،،،،،
بعد مرور سنة على التدخل الحكومي في انهاء الاعتصامات التي لا تزال خيراتها تتوالى على الوطن وأبنائه أردت أن أضع بين أيديكم بعض الصور للتذكير بحدث تاريخي مر على السلطنة ولا يمكن نسيانه ألا وهو حدث الحركة الاحتجاجية التي عمت بعض المدن الرئيسية في السلطنة. ذلك الحدث الذي غير الكثير على أرض الواقع عندما صرخ الشارع بقوة ضد الفساد ونادى بالإصلاح فاستجاب القائد وأزاح الكثير من الرؤوس التي لم نكن نحلم بخروجها. تغيرت أشياء كثيرة، فقد كسر الشباب حاجز الخوف والسلبية بنزولهم إلى الساحات. ولأنهم لم يخرجوا ضد عدو فقد كانوا في مستوى المسئولية طيلة 77 يوم إلى أن صدمهم التدخل العسكري العنيف في شكله والغير مبرر نظرا لسلمية المعتصمين.
في الحقيقة كانت الإعتصامات مفخرة للجميع حكومة وشعباً وأصبحت عمان ما بعد الاعتصامات عمان جديدة تنعم بدماء جديدة في أروقة صنع القرار وظهرت قوانين جديدة وصلاحيات أكثر للشورى وتم فتح الإعلام للجميع(الحكومة ومنتقديها على حد سواء) بعد أن كان حكراً على الحكومة وأجهزتها فقط. أصبح العماني يناقش مشاكلة بشكل مباشر وأصبح المسئول الحكومي تحت عدسات وميكروفونات الإعلام بشكل يومي من أجل تبرير ما يتم هنا وهناك من أخطاء أمام الرأي العام.
،،،،،،،،
على الرغم من أن الكثير يرون أن ما حدث مجرد تخدير مؤقت للشعب بدليل عدم محاسبة أي من الوزراء السابقين، إلا أنني أرى أن ما حدث إلى الآن وخلال هذه الفترة القصيرة ليس بالهين ولا يمكن من خلاله الحكم بصورة قطعية على أن هناك نية مبيتة من الحكومة لإرجاع الأمور إلى ما كانت عليه. لا يزال الوقت مبكراً على التغيير الذي ننتظره لكن البوادر تقول أن القادم أفضل وأن المستقبل سيحمل في طياته قرارات تطمئن الشارع فيما يخص الفساد.

تحية لمن اعتصم بصدق من أجل التغيير وتحية لمن استجاب وتحية كبيرة لعمان..إلى الصور:


















ملاحظة: بعض الصور تم نشرها العام الماضي في هذه المدونة أثناء الأحداث ولكن بسبب اختفاء معظم الصور قمت بإعادة نشرها.

الأربعاء، 9 مايو، 2012

بـــــ ... ...

إذا كانت تبدو مثل بطة، وتمشي مثل بطة، وتصيح مثل بطة، إذاً فما هي؟!!
أكيييييييييييييييييييييييييييييييييد بــــــ ... ... .

الاثنين، 7 مايو، 2012

حول النقاش



أحياناً تُصاب بالصدمة من النقاش الذي يأخذ مسار غير مساره الطبيعي. ذلك الذي قد يوصلك إلى "تصادم" مع الآخر حتى وإن لم تكن مخططاً للصدام. أتمنى أن تكون هناك استراتيجية وطنية لتحسين أداء المواطنين في نقاشاتهم اليومية وخاصة عندنا في ظفار :).

في الجلسات العادية سواء في فترات استراحات العمل أو في المقاهي أو في البيوت أو في أي مكان آخر ونظراً للعفوية التي نعيش عليها وعدم وجود موضوع رئيسي للنقاش في الغالب، نظراً لذلك فإن الحظ قد يقود الواحد منا إلى المشاركة في مناقشة موضوع عشوائي غير مهم وغير مناسب مع أشخاص غير مناسبين للنقاش. هذا النوع من البشر يعتبر الحوار معركة لا مجال فيها للخسارة. هم كما قال البج الكبير: "أناس تستعبدهم أفكارهم" وتأخذهم العزة بالإثم ولا يستسلمون للحقيقة حتى وإن كان الأمر بسيطاً. هؤلاء لا يضيفون شيئاً لرصيدهم المعرفي لأنهم مبرمجون على النظر من زاوية واحدة. أن تصر على فكرة خاطئة لا يعني أن شخصيتك قوية، وكذلك أن تترك الأفكار الخاطئة لا يعني أنك إمعة فالحكمة ضالة المؤمن كما يقول تراثنا.
 يجب أن لا تسيطر علينا الأفكار بل يجب أن نسيطر عليها بقدر خدمتها للحقيقة لأنها أي الحقيقة مبتغى كلٌ منا. عندما يكون الواحد منا مقتنعاً بأمر ما، يجب أن يعرف الأسباب التي تجعل ذلك الأمر مقنعاً أو حقيقةً أو موجوداً. وكما قال أحدهم: "الفكرة كالرداء الجميل"؛ إن كانت منطقية يجب علينا أن نلبسها دون غيرها لأنها تجملنا، وقد تكون كالرداء البالي المشوه وهنا من الواجب التخلي عنها.
،،،،،،،،،،،،،،،،
من خلال تجربتي المتواضعة مع أكثر من شخص من مستويات ثقافية متفاوتة اتضح لي بأن معظم البشر الظفاري/العماني/العربي يمكن أن يناقشك في أي موضوع يخطر على بالك إلا من رحم ربي. ما عليك إلا اختيار الموضوع و"الشعب" جاهز. نادراً ما تجد شخص يقول: ليست لدي فكرة عن الموضوع أو أنا غير متخصص أو لم أقرأ في هذا الجانب. الأمر ينطبق على شريحة كبيرة من الشباب مدعي المعرفة وبعض المتخصصين في جوانب غير التي يتم مناقشتها.. ويا ويلك من "بعض" أصحاب الشهادات العليا وجمهور الجزيرة. هنا لا تجد مكان لـ "رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه".
،،،،،،،،،،،،،،،،
مجموعتي الشهيرة بشلة "البجز" عبارة عن مجموعة تتفق إلى حد كبير في الإطار العام وتتفق في محبتها للنقاش خاصة في الشأن العام. أثناء فترة الربيع العماني وبعده  "تكثفت" النقاشات في شأن الاعتصامات وما يُطرح فيها من خير وشر وردة فعل الحكومة وبالطبع زادت اجتهاداتنا وزاد الحماس. نحن متفقون أو متفقين المهم متفقين في الخطوط العريضة ولكن نختلف دائما في التفاصيل وكما يقال الشيطان في التفاصيل. يحتد النقاش تحت تأثير المجال المغناطيسي لخُطب الإعتصام ونصل في بعض الأحيان إلى حد الصراخ ( ما عدا البج الكبير:)). في الأخير وبحكم اتفاقنا على الخروج بخلاصة يهدأ الوضع ونضطر إلى احترام الاختلاف لنفترق حتى نلتقي في جلسة أخرى. عندما أرجع إلى البيت أجد أن الذي حصل كان يمكن أن يحصل بطريقة أفضل وأهدأ لكن بعد إيش :)؟.
،،،،،،،،،،،،،،
الحوار العربي هو - في الغالب - حوار بيزنطي متشنج يعتمد على تصيّد أحد الطرفين لأخطاء الطرف الآخر لإحراجه فقط. وقد يخرج المتحاور من مناقشة الفكرة إلى أمور شخصية في خصمه المتحاور. الحوار هنا يكون حواراً منفراً - في غالبه - وميال إلى إثارة الضغينة و البغضاء بين أطراف النقاش. فعندما لا يجد أحدهم ما يقوله يعمد إلى استخدام الشتائم المباشرة او الغير مباشرة.وخير دليل على ذلك البرامج الحوارية التي بدأتها قناة الجزيرة كبرنامج "الاتجاه المعاكس".
نلاحظ في هذه البرامج:
رفع الصوت
تكرار الفكرة
المقاطعة المستمرة
إجابة السؤال بسؤال..
كل هذا من أساسيات حواراتنا العربية في التلفزيون مثلاً أو الندوات أو الحوارات اليومية وللأسف يتضح للمراقب أن هدف المتحاور ليس الوصول إلى حل أو إقناع الطرف الآخر بل الهدف هو البحث عما يعريه وإن كان بعيداً عن موضوع النقاش.
،،،،،،،،،،،،،


أخيراً..
النقاش يجب أن يكون صادقاً من أجل أن يثمر.. والإنفعال مصيبة الحوار.

ملاحظة: الموضوع عبارة عن ملاحظات شخصية غير مبنية على منهجية علمية ويجب أن تظل كذلك.

الثلاثاء، 1 مايو، 2012

بعيدا عن مباديء التمرهندي


كنت أرمي اللوم بكبره على الحكومات العربية بسبب إخفاقها في نقل الشعوب من ثقافتها السلبية الراهنة إلى ثقافة احترام العمل وتحمل المسئولية -بكل جوانبها- تجاه الوطن لأنها أي الحكومات تملك "كل شيء" وهي بالفعل تملك كل شيء وتستطيع توجيه الرأي العام والمجتمع نحو التغيير الإيجابي وتستطيع تأهيل المواطن ودفعه نحو التخلص من السلبية الموجودة بطريقة أسرع بدلاً من ترك الأمر كما هو  إلى أن تتغير الأشياء من تلقاء نفسها.. مع كل هذا علينا أن لا نرمي كل الحمل على الحكومات فما رجالاتها إلا منا، إن صلحنا صلحوا وإن فسدنا فسدوا، بل يجب أن نسعى كأفراد بجد لتغيير سلوكنا وعاداتنا المعيقة للتقدم لكي نفرز في المستقبل من يستطيع تلبية مطالب أحفادنا على الأقل.
،،،،،،،،
هناك جدل دائم حول "من أين يبدأ التغيير"؛ هل الأفضل أن يبدأ من قاعدة الهرم  باتجاه الرأس أم العكس؟ وثقافتنا تقول أن التغيير يجب أن يبدأ من الأعلى بحكم ارتباطنا بالأنبياء والأبطال بينما تجاربنا تقول أن التغيير من أعلى هو تغيير محفوف بالمخاطر لأن ثباته مستحيل وبالتالي رجوع الناس إلى نقطة الصفر هو نهاية السير في ذلك الطريق -في الغالب- وخير دليل هو الحكومات الناتجة عن الانقلابات في العالم الثالث والتي لم تتزحزح عن الحكم إلا بانقلابات وثورات اشتعلت بسبب جمودها وتسلطها. لهذا فإنني أفضل الدفع باتجاه تغيير السلوك الفردي من خلال النشاط التطوعي التثقيفي في البيوت وأماكن العمل وذلك بخلق وابتكار طرق جديدة للتغيير مهما كانت البيئة المحيطة محبطة. هذا بلا شك سيخلق ثقافة جديدة تضغط بشكل متدرج على حامليها لإفراز طريقة حياة مناسبة من خلال تأثيرها على محيطها.
،،،،،،،،
العقليات القديمة المسكونة بالهاجس الأمني وشبح المؤامرات والخوف من الخطر الخارجي(أو التي تطيل عمرها باختلاق الأعداء) لم يعد هذا العصر عصرها وإن كانت موجودة فهي التي يمكن أن تعيق مثل هذه التحركات وهذا هو مكمن الخطر ومنشأ الخوف الذي يسيطر على الناس في الوقت الراهن. كانت الحكومات المتسلطة بحكم سيطرتها على الأجهزة الأمنية والمال تستطيع أن تعيق التغيير وهذا ما دفع شعوب العالم الثالث إلى اليقين بأن التغيير يجب أن يبدأ من القمة لأنها أي القمة لن تسمح بأي تغيير وتضرب عادةً بيد من حديد على كل من تسول له نفسه "التفكير" في زعزعة النظام وإن كانت نية سعاة التغيير تحسين الأوضاع فقط.
،،،،،،،،
لا شك أن الفرد هو أساس التغيير ولكن عندما تخفق أي قيادة -على الرغم من سيطرتها على المفاصل الحقيقية الدقيقة للمجتمع- فإن فساد الأفراد أو إفسادهم (الهدم) يكون أسهل وأسرع وبالتالي من الصعوبة بمكان إعادة الثقة في الحكومات التي تتوالى فيما بعد مهما اجتهدت لأن الإدارة الفاشلة كانت قد أسست لثقافة ليس من السهل انتزاعها والقضاء عليها بعد أن تجذرت. أصبح الإقتصاد والحياة العامة مبنية على ذلك النمط الفاسد وأصبح الفساد ينتج نفسه بالتوازي مع الجهل وبالتالي تنتظر الشعوب مخلِّصين من السماء بينما هي غارقة في ممارسة الفساد وإنتاجه من القاعدة إلى قمة الهرم. الفساد هنا لا يعني في كل الأحوال الفساد الناتج عن سوء نية أو عن سبق إصرار وترصد بل قد يكون الفساد المبني على النية الصادقة لمنفعة الناس أو الناتج عن بعض السلوكيات الناتجة عن الثقافة العامة والتي تستبيح المال العام وتهدره من أجل منفعة شخص أو فئة لاعتبارات قد لا تكون منطقية للعامة لكنهم أي العامة لا ينكرونها حين تصب في جيوبهم كأفراد.
،،،،،،،،
في المجتمعات الحية يحصل التغيير من القاعدة من خلال ضغطها باتجاه القمة بحيث نتج عن ذلك سن قوانين ودساتير فصلت السلطات وقللت بل قضت على النفوذ المطلق للأفراد وبالتالي قل الفساد وأصبح كشفه سهلاً. ولأن تلك المجتمعات هي التي أفرزت القوانين فقد تشكلت ثقافة احترام القانون ولأن تلك المجتمعات كانت بحاجة إلى حماية مستمرة فقد جعلت للقانون هيبة واحترام وأوجدت له آليات الاستقواء.

في مجتمعاتنا المليئة بالجراح ننتظر المخلصين دائماً لذلك نختزل الخير والخلاص في شخص نعلم مسبقاً أنه لن يدوم وبفنائه ننتظر السماء أن تمطر لنا غيره وإن لم تمطر لنا غيره نظل مرتبطين به وتكبر مع الزمن صورته في مخيلتنا لدرجة تقترب من صورة الإله والنتيجة أننا نظل في حلم مستمر. هذه الثقافة لا تحملنا كأفراد أي مسئولية تجاه التغيير بل تشجعنا على رمي المشكلة على مسببِ هلامي غير مُعرّف وغير موصوف وعليه يضيع التشخيص وننتظر السماء ولا تأتي السماء بشيء بل ننتج نحن باسم السماء أوهاما تعزلنا عن الواقع وتحجبنا عن رؤية حقيقتنا وتدفعنا للبحث عن العدو المتفوق علينا دائما لنرمي عليه كل أسباب الفشل. نبحث عن كل ما يبعد عنا اللوم كأفراد فتسقط الجماعة.
،،،،،،،،
ربما لأني أعرف أن الإنسان "العربي" بمجموعة معارفه التي استقاها من تراثه وثقافته يُعتبر "أكبر كارثة" فإني لا أعول عليه كثيراً في التغيير على المدى المتوسط لأن نَفَسَه قصير ويستعجل النتائج ولا يبني لغيره أي أنه أناني وإن ادعى غير ذلك. فطبقات الجهل والخوف التي يقبع تحتها لا تؤهله في الوقت الحاضر لأن يضطلع بدور مهم في هذا الشأن بل إنه بحاجة كبيرة إلى التبصير والتنوير من أجل إكسابه جزء ولو بسيط من الثقة لكي يصنع ثقافة أخرى تؤمن بأن التغيير ليس من أجل مصلحة فرد أو مجموعة أفراد لفترة وجيزة بل هي لأجيال قادمة ولفترات أطول.
،،،،،،،،

أخيرا..
عندما تنتقل من مكان تعتقد أنه مثالي إلى مكان أفضل منه تُصاب بصدمة تجبرك على الكفر بما كنت تعتقد أنه مثالي في يوم من الأيام.. فما بالكم بمن انتقل من الجحيم إلى جنة الحرية والعدالة والمساواة وبعد أن نهل من معين علومها ومعارفها تسلم مفاتيح بلد بأكمله وقالت له الأرض بمن عليها "هيت لك" افعل ما تشاء.
كل قيادات وصناع القرار في دول العالم الثالث وسافروا ودرسوا وفهموا الحياة الغربية.. ونهلوا من معارفها المليئة بمبادئ الديمقراطية والعدالة واحترام الانسان. عرفوا أن الغرب عملي.. يحترم القانون، يحترم العمل، يقدر صاحب المهارة والموهبة، يحتقر الفساد، يحترم الحريات وحقوق الأفراد... إلخ، لكن تلك القيادات أدارت ظهرها لكل ذلك وسيرت بلدانها بطرق شتى بعيدة كل البعد عن مبادئ " التمرهندي".

للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com