الخميس، 26 أغسطس 2010

الوضوء بفلوس


 
تعاني المنطقة العربية معاناة ما بعدها معاناة من شح المياه لوقوعها ضمن المناطق الجافة التي يقل فيها معدل هطول الأمطار عن أي مناطق أخرى مأهولة على مستوى الكوكب. ونتيجة لذلك تنتشر محطات التحلية انتشار واسع على شواطئ الدول العربية وخاصة في الجزيرة العربية وتحديداً دول الخليج. وعلى الرغم من خطورة الوضع إلا أن السلوك الاستهلاكي للمياه في هذه المنطقة الجافة لم يصل بعد إلى مستوى المسئولية سواء من الأفراد أم من الحكومات. فالثقافة العامة للمواطنين والجهات الحكومية لا تزال متطابقة.
وفي هذا السياق سأتطرق إلى موضوع الوضوء وعلاقته باستهلاك المياه، واللامبالاة من قبلنا تجاه إيجاد حلول جادة لهذه القضية. فكما يعلم الجميع أن المساجد منتشرة في كل حدب وصوب وأن الحارات تكاد تكون مكتظة بها ومع ذلك تعاني هذه المساجد من الاستخدام السيئ للمياه من قبل المرتادين وهم بالطبع المصلون.

لدينا مشكلة كبيرة جداً فيما هو مجاني. وبما أن مياه المساجد مجانية فإن تبذيرنا لها لا نعتبره تبذير بل نعتبره تقرباً إلى الله. طبعاً ليس الأمر بهذا السوء من ناحية النوايا ولكن المشكلة هي عدم وجود ثقافة ترشيد الاستهلاك تجاه كل شيء وخاصة المياه التي تعتبر عصب حياتنا وأكثر شيء يتهددنا بينما نقوم بإهدارها حتى في التقرب إلى الله.

إذا ذهبت لأي مسجد ستجد أعداد كبيرة من الصنابير غير محكمة الإغلاق، كذلك ستجد طفلاً أو مجموعة أطفال -لا يعون أهمية المياه - في المواضئ يفتحون الصنابير على آخرها ويلعبون بالمياه كلما سنحت لهم الفرصة. وفي بعض الأحيان ستجد بعض المتوضين في حوار جميل بينما الصنابير مفتوحة والمياه تجري محدثة خلفية صوتية رائعة للحديث!!. كل ذلك يحدث.

على الرغم من تشاؤمي إلا أن هناك في الجانب الآخر أناس على عكس هذه النماذج أي مهتمون بالمياه وواعون لأهميتها وندرتها. ونتيجة لذلك فإن سلوكهم يوحي بأنهم على قدر عال من المسئولية. وأكثر ما لفت انتباهي في أكثر من مناسبة أن كبار السن هم أكثر حرصاً منا الشباب على المياه. ربما لأنهم أصحاب تجربه في هذا الشأن فقد ذاقوا طعم شحها أيام شبابهم.

في رمضان يكثر مرتادو المساجد وبالتالي يكثر المتوضون والنتيجة النهائية استهلاك غير عادي للمياه مع غياب التوعية. هذه المياه المهدرة هي مال عام وللجميع وهي لنا وللأجيال القادمة وليس من حق أحد منا أن يتصرف بها بهذا السوء ويحرم الآخرين منها.
لحل هذه المعضلة لا بد من التوعية بطريقة جميلة ومنطقية دون توبيخ أو تحقير للمسرف أن ذلك سيطال الغالبية العظمى من مجتمعاتنا.هناك أحاديث نبوية رويت عن النبي تحث على الترشيد في الاستهلاك وخاصة استهلاك المياه. فقد روى عبداللّه بن عمر، ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مر بسعد بن أبي وقاص، وهو يتوضأ، فقال: ما هذا الاسراف؟ قال سعد: أفى الوضوء اسراف؟ فقال النبي: نعم، وان كنت على نهر جار».
مع كل هذا فإن الهدر المائي على مستوى العالم العربي والاسلامي لم توضع له حلول على أرض الواقع، على الرغم من أنه مكلف مادياً واستراتيجياً. فعلى سبيل المثال أثناء الحج يستخدم مليونا مسلم ما لا يقل عن 50 مليون لتر من المياه يوميا للوضوء فقط . وقد ذكرت ذلك شركة ماليزية ابتكرت جهاز للمساعدة في التقليل من الاستهلاك المفرط للمياه أثناء الوضوء. هذا الجهاز غير مطروح في الاسواق بعد وإن حصل وتم طرحه فإنه سيكون مكلفاً للغاية( 3 إلى 4 آلاف دولار).

مما لاحظت من اهدار فإني أرى أن هناك حل بسيط -وليس هو الحل الوحيد- لموضوع الإهدار وخاصة في المساجد. الحل هو أن يتم الدخول إلى المواضيء مقابل مبالغ رمزية، بحيث يتم استخدام هذه المبالغ في صيانة المساجد وقد يتم تقديمها لهيئة الأعمال الخيرية. وكذلك هي رسالة ودعوم من المسجد لعامة الناس إلى أهمية المياه وهذا بدوره سيؤدي إلى عمل نوع من الصدمة التي سيفيق منها كل مهدر للمياه. لن يكون ذلك حل نهائي ولكنه سيؤدي إلى التنبيه إلى أن هناك تكاليف لا نحس بها ويجب أن ننتبه لها. أتوقع أن ذلك سيكون له وقع على عامة الناس.

ليس لدي تصور لآلية التطبيق(تطبيق الرسوم في مواضيء المساجد) لأن الفكرة أتتني مباغتة. فأرجو ممن يقرأ هنا أن يقترح معي ما هي الحلول لهذه المشكلة؛ مشكلة استهلاك المسلمين للمياه بطريقة مفرطة.

.
الصورة للجهاز الذي ابتكرته شركة AACE الماليزية

.

الخميس، 19 أغسطس 2010

رعى الله عودة الماضي!!


في شباب جدكم محفيف كان رمضان مختلف تماماً عما نحن عليه اليوم..كانت الحياة جميلة وكانت الانترنيت مراقبة مراقبة صارمة وكذلك الصحافة الحرة غير موجودة وكانت الأفلام في تلفزيون عمان لا تسمح بالقبل الرومنسية أن تظهر وكنا نلعن وزير الإعلام شخصياً عندما يختفي المشهد الرومنسي إلى شيء آخر.. إيه يا أولادي رعى الله عودة الماضي.. اليوم حقوق المرأة حقيقية وما قادرين نسيطر على بناتنا.. والانترنت والصحافة حرة لدرجة أن الناس أشفقوا على الوزراء من كثر ما استقالوا بسبب أخطاءهم البسيطة والتي تسببت في هدر المال العام، حتى رئيس الوزراء أصبح مهزلة بسبب مثوله المتكرر أمام لجان البرلمان.. (محفيف بعد 120 سنة).

عبارة " رعى الله عودة الماضي" تكاد لا تفارق مجالس وسوالف كبار السن. يقولون أن كل شيء زمان كان جميل وفيه بركة.. الأكل كان صحي جداً ورائحة اللهم كانت مختلفة ناهيك عن طعمه!..العطور كانت تُشم من مسافة أربعة كيلومترات(عطر حبشوش).. الناس كانوا طيبين وفيهم رحمة تجاه بعضهم البعض. إذا توفى رجل أو امرأة في الشرق عرف عنه من في الغرب وعزوا فيه.. إيـــــــــه .. في هذا الوقت ما تعرف جارك.. وأقاربك حتى ما يزورونك.. هذا آخر الزمان..

أتوقع أن هذا يتردد في مسامع الكثير من الشباب بين الحين والآخر عندما يكونون جزءاً من جلسة لكبار السن.. إلى اليوم وأنا اسمع عبارات في هذا المعنى تتردد.. هنا في ظفار هذه العبارة موجودة في المدن والجبال والبادية والشرق والغرب وفي كل مكان.

هناك شعر وأغاني قيلت في هذا السياق ولاقت نجاح كبير على المستوى الشعبي كالأغنية التي اقتبست منها عنوان التدوينة " رعى الله عودة الماضي.. مهما كانت العودة !!!" مهما كانت العودة؟!!!!( ما فهمتها هذي!).. وهناك أغنية أخرى تقول كلماتها:

"..

أيام كنا نرعي تلك المواشي... حملي على هيج والموارد معاشي

رجمة لحافي والطبيعة فراشي.... ألخ

أنوار بيتي كانت من زيت ذايب

والماء فلج ريف من غيوث السحايب

ما كلفتني الحضارة ضرايب... .. ...إلخ

"

(أتوقع إني لخبطت الكلمات ليعذرني الشاعر الكبير بن دعاس)..

طبعاً نحن نردد الكلمات عادة إذا كان اللحن مقبول بدون أن نعي حجم الكارثة التي نرددها.. أيعقل أن يحن الواحد للمشي الدائم بعد أن طعم ركوب السيارات.؟! أيعقل أن يحن الواحد إلى بيوت من طين وجذوع أشجار بعد أن طعم البيوت الجديدة الواسعة ذات التهوية والتكييف ونظام صرف صحي حديث؟!.. أيعقل أن يحن الواحد إلى الخوف بعد أن طعم الأمان؟.. أيعقل أن يحن الواحد إلى الجوع بعد أن جرب أصناف الأطعمة العالمية؟.. أيعقل أن يحن الواحد للفوضى بعد أن جرب الأمن والنظام؟!..طبعاً لا يعقل..

الأسئلة كثيرة

بعد أن تخمرت هذه العبارات والأغاني في رأسي خلصتُ إلى نتيجة واحدة وهي أن هؤلاء ينعون شبابهم فقط.. وصلوا إلى عصر لا يلعبون فيه دور البطولة.. يرون أن من أتى من خلفهم قد فهم الحياة الجديدة بينما هم غير قادرين على التكيف مع المرحلة الراهنة.. لهذا يعوضون ذلك بالرجوع إلى ملفات زمان. نعم كان هناك كرم وتراحم وصفاء بسبب أن الناس كانوا قلة والتخالط مع شعوب مختلفة الثقافة كان نادر بل ومعدوم في أحايين كثيرة ولفترات طويلة.. كذلك فإن النشاطات والأعمال التجارية والمهنية الحرفية كانت أقل.. وكان الناس بحاجة لبعضهم البعض للحماية من العدو الذي لا تدري من أين سيأتيك.. ولكن في المقابل كانت الظروف صعبة والحياة كانت لا تطاق.. الأمان كان معدوم والفقر كان منتشر والأمراض كانت متشرة..

أعجبني بج1 عندما قارن الأمان وقلوب الناس الرحيمة أيام زمان بعصرنا الحاضر.. وكيف أن الناس كانت متراحمة.. يقول أن الناس كانت تنتظر الأعراس والمآتم لسببين رئيسيين أولهما الجوع(أي للطعام) وثانيهما الضرابة(أي للثأر)!!. (جوع.. فوضى).. تجد أن الواحد يتربص بعدوه عند مكان إقامة العرس أو مكان العزاء بسبب وجود الطعام.. فهو يعرف أن غريمه جائع وسياتي لا محالة، كالذئب الذي ينتظر فريسته عند الماء.. رعى الله عودة الماضي.

حتى لا أُفهم خطأ فإن الماضي لا يخلو من جمال وقيم نبيلة كانت لآلئ على جيد ذلك الزمن ولكن يجب أن لا تسيطر علينا العاطفة والأنانية لظلم الحاضر..

الوضع الذي نحن فيه أفضل من زمان ولا وجه مقارنة بين هذا وذاك من ناحية الأمان الشامل والمعيشة إلى آخره.. لكن هل نحن في أمان حقيقي.. هل هذا مبتغانا ومطمحنا؟ هل هذا هو سقف طموحنا؟.. بالطبع لا.. ليس هذا ما يمكن أن يحسسنا بأن المستقبل أفضل.. فنحن وإن كنا متفائلين إلا أن علينا العمل لتغيير الواقع الحالي لكي يكون المستقبل أفضل من الحاضر ولكي نردد نحن نفس العبارة في المستقبل لأبنائنا وأحفادنا عندما نصبح نحن على هامش عصرهم..

رعى الله عودة الماضي.




للتواصل راسلني على: hesheandme@gmail.com